الاثنين، 29 يونيو 2009

حلم و انقضى ..

هاتفته فجراً ليلقي بغياهب النوم جانباً ، غير مصدق بأنها تهاتفه في مثل هذا الوقت ... وبعد كل هذا الوقت !
شهور مضت منذ آخر مرة تعاركا فيها .. ولم يتصور يوماً ولو في أحلى أحلامه أن تتصل به من جديد !
ولكنها الآن تتصل .. اسمها الذي لم يظهر على شاشة جواله منذ زمن ، يظهر الآن منيراً الشاشة ومنيراً قلبه المظلم ومنيراً أملاً جديداً له في الحياة ..

خاطبته وكأنهم لم يتعاركوا يوماً ، بحماسة ومودة وسؤال عن الحال والأحوال ..
لكنه لم يرتح لنبرة التوتر في صوتها .. لم يرتح لشيء يصارع أعماقها للخروج والبوح ..
ولكنه بأسلوبه المشابه لأسلوب أعظم المنوّمين المغناطيسيين استطاع استدراجها لهاوية البوح و الاعتراف .. والفضفضة ..

انطلقت محبوبته القديمة - والحالية - تصف لوعة قلبها وحريق أوشاجها وجزع نفسها وبكاء عينها ببعاد حبيبها ..
ولكنه ولشدة دهشته لم يكن هذا الحبيب الموصوف !! بل كان شخصاً آخر أحبته في غضون شهور فراقهما ..
ولشدة ثقتها بحبيبها القديم وبحصافة رأيه ورجاحة عقله ، هاتفته في هذا الوقت المتأخر - أو المبكر - المقارب لساعات الفجر الأولى لتستشيره ولتلقي بلوعات قلبها في جوف حبيبها القديم !!!
ولشدة دهشته هو شخصياً ، انطوى حبيبها القديم يسألها كمخضرمي العلاج النفسي عن ملابسات القضية ؛ وعن أدلتها و قرائنها الداعمة لقولها .. وانبرت هي كسيلٍ جارف تروي كل شيء معتبرة أن إحساس الحبيبة وحده يكفي كدليل !

لم يدر لماذا يساعدها !!
لماذا يستمع إليها .. بل لماذا ينصت لها !!
لماذا يعتصر خلاياه الرمادية مستنجداً بجميع خبراته الحياتية ليجد لها حلاً سريعاً وقاطعاً ينقذها من حرائقها !!
والأعجب أنه لم يجد تفسيراً لراحته النفسية بعد أن توقفت محبوبته عن البكاء بسعادتها بوصوله لحل يعيدها وحبيبها الجديد كعصفوري جنة !
و زادت راحته بضحكتها الرقيقة التي لم يسمعها منذ زمن !

وحين انتهت المكالمة كان كمن اسيقظ من حلم عميق !
وتوالت الأسئلة دون أجوبة تحاصر خلاياه الرمادية من جديد ..
هل هذا هو الاتصال الذي ينتظره منذ زمن ؟؟؟
هل يحق لمن كانت معه في علاقة سابقة أن تهاتفه لتستشيره في علاقة حالية ؟؟
هل كان صادقاً في مشورته لها ، أم أشار عليها بما يهدم علاقتها الجديدة ؟؟
لماذا هذه الراحة في أعماقه ؟؟
هل يحبها لدرجة أنه يسعد لسعادتها ولو لم تكن معه ؟؟ أم أنه لم يحبها يوماً ؟؟
أم أنه سعيد لأنه لن ينتظر الليالي بعد اليوم منتظراً مكالمة شوق منها ، وسينام مطمئن البال بأنه لم يعد مرغوباً فيه ، وأنه حلم وانقضى ؟؟
أم سعيد فقط لأنه سمع صوتها وضحكتها الرقيقة ؟؟
أم سعيد لأنه يستطيع المضي قدماً في علاقة جديدة دون تأنيب ضمير ؟؟
أم لأنه تأكد الآن من نظريته القديمة بأنها بمجرد انتهاء علاقتهما ستنساه وتبحث عن غيره ! وتذكر وقتها كم كان يحبها ، ولكنه لم يشعر يوماً بالأمان معها ..

وفي لحظة واحدة تحولت مشاعره الإيجابية لأخرى سلبية ؛ وهو يلعن في أعماقه هذه القلوب التي تنسى بسرعة كما تحب بسرعة ..
قلوب أقرب إلى الفنادق منها إلى القلوب ! قلوب لا يلبث ساكنها بالاستقرار فيها حتى يتم طرده بلا هوادة ولأول حدث بسيط !
قلوب بلا قلوب .. وحب أقرب إلى الماء منه إلى الحب ..
أو حب أقرب للهواء .. نعم للهواء .. وتناغمت فكرته مع صوت "حليم" الرخيم المتعالي من رادي الجيران :
"زي الهوا ياحبيبي ، زي الهوا .... و آه م الهوا ياحبيبي ، آه م الهوا"

أي حب هذا الذي لا يغفر الزلات !! وأي قلب هذا الذي يستبدل الأخلاء بهذه السهولة !!
كادت خلاياه تذوب من فرط التفكير .. وهداه تفكيره الحصيف لطوي صفحة قديمة .. وإنهاء حلم قديم ..
فالحزن في القلب .. وعجلة الحياة مستمرة .. ولن يوقف حياته بإسم الحزن بكاءً على شيء مضى وانتهى .. وبكاءً على من لا يبكي عليه ..
فطوى الصفحة .. و أنهى الحلم ..
وكان حلماً و انقضى ..

الأحد، 28 يونيو 2009

للسعوديين فقط !

هي حملة من الحملات الكثيرة المنتشرة في النت ، والتي وصلتني عبر الإيميل ..
يحوي الإيميل قصصاً متنوعة عن ظلم الشركات للعمالة السعودية ومحاباتها للأجانب ، وبعضها قصص غير منطقية على الإطلاق ، مما يوحي بسوء التأليف أو بسوء تناقل الرواية الأساسية ووضع البهارات عليها !!
بعد سرد هذه القصص ، يخبرنا "الحكواتي" عن أهداف هذه الحملة ويبدأ حكايته بعبارة : "هذه الحملة ليست عنصرية" !
ويطالب بعدة طلبات من بينها تطبيق قانون العمل بإحلال السعوديين مكان غير السعوديين إلا في التخصصات النادرة كما ينص قانون مكتب العمل (مع ذكره رقم المادة في قانون مكتب العمل ، والتي لم أجدها بالمناسبة بعد البحث !!) ، وهنا أرد فأقول : ياعزيزي منفذ الحملة أنت وقومك المتبعون لك ، معظم الوظائف الآن تطلب لغة أجنبية وبعض مهارات الكمبيوتر على الأقل ، وفي الوقت الذي لا يحسن الكثيرون هاتين المهارتين الضروريتين ، تصبح معظم التخصصات "نادرة" بما فيها سائقي الرافعة الشوكية !! فلا يكفي أنك سعودي لتشغل الوظيفة .. وإذا كنت صادقاً في هدفك بإحلال كل الوظائف بالسعوديين سوى النادرة منها ، فلتبدأ بنفسك ومن معك بكنس الشوارع والعمل كـ "خضرجي" أو "فكهجي" أو نجار أو حلاق أو سباك أو غيرها من الوظائف الحرفية ..


ليس من المنطق أن يتم إحلال الموظفين الأجانب بسعوديين بدءاً من الأعلى .. أعني من الوظائف القيادية .. بل المنطق أن تبدأ الصعود درجة درجة ، وأكل العنب حبة حبة ..
وسؤالي هنا : هل يستطيع السعودي تنظيف الشوارع وغسيل السيارات ودهن البيوت وتصليح كراسي الحمامات المسدودة بمخرجات بطن سعودي آخر (أو أجنبي آخر مكثر التوابل والشطة) والصعود خمسين طابقاً في ناطحة سحاب لتلييس الجدران !!!
عندما تخبرني بأن السعودية للسعوديين فقط ، فلتبدأ بالأبسط فالأعقد ، فإذا أثبتّ جدارتك في ما دون ، فقد تكون جديراً بما فوق الدون !! أما أن تنادي بطرد الأجانب وأنت لن تعمل مكانهم فهذا سيجعل من شوارعنا مرمى للنفايات ، وسيتعطل البناء والبيع والشراء والتدريس في المدارس الأهلية وغيرها لأن السعوديون يرفضون هذه الوظائف (الدنيا) ويرفضون رواتبها الأدنى !!


كما طالب مصمم الإيميل بحدّ أدنى للأجور ، وللحقيقة فهذه نقطة معقدة وعميقة وتحتاج لمقال منفصل للكتابة عنها .. فيجب ألا نفكر من زاوية واحدة وهي زاوية طالبي العمل ؛ بل يجب أن نفكر في انعكاسات هذا القرار على أصحاب الأعمال وخاصة أصحاب الشركات المتوسطة والصغيرة ؛ ثم نفكر في تداعيات هذا القرار وهذا الحد الأدنى للأجور إذا ماواجهت البلاد أزمة اقتصادية ، فهل نزيد الحد الأدنى بما ينفع المواطن ويضر صاحب العمل ؟؟ أم نترك الوضع على ماهو عليه ؟؟ لذلك أقول أن هذه النقطة معقدة ولا أظن أحداً يقنع الآخر برأيه ، على الأقل في الوقت الحاضر !!

ومن ضمن طلبات كاتب الإيميل طلب غير منطقي ولا يمكن تحقيقه !! ألا وهو عدم حصر الوظائف الفنية والمهنية والإدارية والطبية والقيادية على الأجانب !!! وهذا طلب غريب وغير صحيح .. لأن الأجانب إذا كانوا يحتلون بالفعل كل هذه الفئات الوظيفية فإن نسبة السعودة هي صفر فهرنهايتي ، والسعوديون لا يشغلون أي وظيفة في السعودية ، وهذا غير صحيح بالطبع !

وتقترب طلباته من النهاية عندما يطلب مراكز تدريب للشباب السعودي لتأهيلهم لوظائف تحتاجها المملكة ، إلى جانب تخصيص بعثات للشباب في تخصصات يحتاجها سوق العمل !! ولا أدري هل كاتب الإيميل غير سعودي أم سعودي ولكنه لا يعيش معنا !!!!!
فقد نشرت إحدى الصحف المحلية قبل أيام إحصائية رسمية عن مكتب العمل وصندوق تنمية الموارد البشرية ، أن 61% من الشباب الذين تم اختيارهم لوظائف ليتم تدريبهم عليها لا يحضرون لاستلام وظائفهم !! ولا حتى يردوا على جوالاتهم ويعتذروا !! يعني قمة المهزلة !!
إذا الشاب مو قادر حتى يتحمل الموقف و يرد ويعتذر عن الوظيفة ولو بالجوال ، كيف ممكن يتحمل أعباء وظيفة أو أعباء عمل !! ويقولوا اطردوا الأجانب ......... عجايب !!
وعلى الجانب الآخر فالبعثات موجودة ومنذ سنوات ؛ لكن الظاهر الأخ مشغول بإرسال الإيميلات وشنّ الحملات ومايدري إن البعثات قائمة على قدم وساق ومنذ سنوات تمتد لما قبل مولده ، عندما كان شباب الثانوية يبتعثون بعد تخرجهم على حساب الدولة ..
وموضوع البعثات أصلاً يحتاج أيضاً موضوع منفصل للحديث عنه .. وسيكون بإذن الله في مقال لاحق ..


وأخيراً وليس آخراً .. يطالب بإغلاق أي منشأة تقل نسبة السعودة فيها عن 50% !! هذا طلب غبي وظالم .... يعني لما أكون أنا كمواطن عارف إن الشركة مستحيل تطردني عشان لا تقل نسبة السعودة عن 50% عشان لا يقفلوها بالشمع الأحمر ، سألتكم بالله كيف حيكون أدائي في العمل ؟؟؟؟ قسماً بالله أنواع التفلت والاستهتار في العمل ، خلونا واقعيين في طلباتنا وفكروا من زاوية أصحاب الأعمال مو بس من زاوية المواطن ..


أما تهديده في آخر الحملة بالتشهير للشركات المعادية (التي لا تنفذ قائمة مطالبهم) فالتشهير ليس من سنة رسول الله ، وليس هو الحل بالتأكيد !!
وبيني وبينكم ، زرت موقعهم اللي بيقود الحملة .... موقع هزيل تحركه المشاعر والعواطف ومافي شي عملي و جاد لتغيير الوضع العام .. مجرد شعارات وهتافات وواحد يعرض يسوي استكرات للسيارات وواحد يعرض مدري ايش ... وحاجات غريبة لا تقدم ولا تؤخر .. ومادام الأمر عشوائي فسيظل جعجعة بلا طحن !
أما خاتمته بالدعوة لمقاطعتهم وعدم التعامل معهم أو الاستعانة بخدماتهم أو شراء منتجاتهم ؛ جعلني أشعر برغبة عارمة في حتة توست مدهون عليها زبدة ، لأن الموضوع ذكرني بالدنمارك !

السبت، 27 يونيو 2009

احنا حفظنا .. وهو فهم !

علي الشهري ..
شاب عشريني من منطقة عسير ، وافته المنية في حادث مروري وهو في طريق عودته من جدة إلى عسير بعد إجراء عدة فحوصات طبية ..
وسبب وجوده في جدة ابتداءً وإجراءه هذه الفحوصات ، هو نيته بالتبرع بكليته لشخص لم يلتق به في حياته !
ولا تنتهي القصة هنا .. بل تستمر المروءة والشهامة والكرم والإيثار وحب الخير في "علي" حتى وهو ميت ! حيث وجدوا في جيبه وصيته التي يلح فيها على ورثته المعارضين بأن يهبوا كليته لوجه الله لـ "فايز الأثلي" !!

في ظل وطأة المادية التي تعتري مجتمعنا الأصيل المعطاء ، أصبحنا نقف مشدوهين فاغري أفواهنا أمام قصص مماثلة ، وكأننا ماعرفنا الكرم ولا الإيثار يوماً !
أصبحت قصص من هذا النوع تثير مخيلاتنا وعواطفنا وكأنها قصص من ألف ليلة وليلة ..
وأصبح بعضنا يصف هذه الفئة بالأغبياء ، لأن هذا ليس زمن الطيبة والعطاء ، بل زمن الأخذ ، وإن كنت ستعطي فلتعطي الآخرين على "مؤخراتهم" أو أقفيتهم !!
صعدت هذه الأفعال والتصرفات بأصحابها إلى مصاف الأساطير والخياليين ، ونحن ملوك الكرم والعطاء ، والتاريخ الأدبي والشعري (القديم والحديث ، الفصيح والنبطي) يشهد بجودنا وكرمنا !! (يمكن كلام شعر بس ، مو حقيقة)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" السلسلة الصحيحة/9 .
وحين نقرأ وصية "علي" ندرك مدى فهم "علي" للحديث الذي كررناه مراراً وتكراراً ونحن صغار في الإبتدائية ، في الوقت الذي لم نتجاوز فيه مستوى حفظ الحديث !
الحديث يحثنا على فعل الخير وفعل ماينفع الناس ولو كانت في آخر ثواني العالم .. ونحن نتأفف من إعطاء ريال لطفل عند إشارة بحجة أنهم عصابات ، ونسينا أن الفسيلة لو زرعناها قد يأكلها عصابات !!
بمعنى : المفترض أن نفعل الخير ونرجو الثواب من الله ولا نبحث عنه بعد ذلك ، وليس أن نتحرى خط سير ريالنا "المشقشق" ونحكم على آخذه من شكوكنا فيه !

أعجب من "علي" وأعجب من كل من يتلف ملكية عامة أو خاصة بإهماله أو سوء استخدامه أو "استخساراً" أو بناء على قاعدة "شي مو لك جرّ أم أمه ع الشوك" وكأن الدنيا لن تزول وكأنه هو لن يزول !!!!

لله درك يا "علي" .. رحمك الله وأثابك فسيح فردوسه الأعلى ..
لن أعزي والديك بقدر ما سأهنئهم بحسن ترتبيتهم .. وشاب مثلك لا يـُـبكى عليه بقدر مايفتخر به حياً وميتاً ..
طبت يا "علي" .. طبت حياً وميتاً ..
اللهم اغفر له و ارحمه ، وعافه و اعف عنه ..
و أكرم نزله ، و وسّع مدخله ..
ونقـّـه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ..
و اغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد ..

الاثنين، 22 يونيو 2009

حلوة يابلدي (3 والأخيرة)

عند مكتب تأجير السيارات سأل "حمدي" موظف المكتب : ممكن نأجر عربية بسواقها عشان يفرجنا على البلد ؟؟
رد الموظف بآلية : ممكن .
فسأل "حمدي" بحماس : وايه البرامج السياحية اللي عندكم ؟؟
فغر الموظف فاه بدهشة وهو يقول : يعني ايش برامج سياحية ؟؟
رد "حمدي" بحماس لم ينقطع : يعني السواق ياخدنا يفرجنا على المناطق السياحية والآثار والمتاحف ، وكدا يعني !
رفع الموظف أحد حاجبيه متوجساً الحذر من "حمدي" أن يكون هازئاً به ، وقال شارحاً : يا أستاذ أي آثار وأي متاحف بس !! هنا مافي غير مطاعم وأسواق ومولات .. وإذا بتحضر مهرجان طراطيع .. عفواً ألعاب نارية قصدي .. بس !
قال "حمدي" مجادلاً : يعني ايه مفيش آثار ! أنا قرأت كتير عن بلدكو وأكيد فيها آثار !!
رد الموظف بطفش منهياً هذا الجدال الوليد : لو انت تعرف مكان الآثار السواق يوديك ، أما لو ماتعرف مكان ماحيقدر يوديك أي مكان غير الأماكن المعروفة زي الأسواق وغيرها!!
وقبل أن يستمر "حمدي" في الكلام قال الموظف بسرعة : تحب سيارة كبيرة ولا صغيرة ؟؟؟
وفهم "حمدي" التصريفة بأن الموظف لا يريد مزيداً من الكلام الكثير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ! ولم يسأل حتى عن أي منشورات سياحية حتى لا يرميه الرجل بالدباسة الكبيرة على المكتب !

***

قرر "حمدي" أن يستقل وعائلته ليموزيناً لأقرب فندق محترم ، وبعدها يقرر وسيلة التنقل المثلى .
وفي استقبال أحد الفنادق الشهيرة بمدينة جدة ، تفاجأ "حمدي" بأسعار الغرف اليومية الذي يجاوز في بعض حالاته أسعار إقامة لمدة يومي نهاية الأسبوع في شرم الشيخ ! فأرجع ذلك بأنه موسم سياحة ، وإن لم يكن الفندق مزدحماً فعلاً بالسياح !
وبعد عشاء فاخر في أحد المطاعم الراقية على كورنيش جدة ، كان الجميع مرهقون من يوم حافل بالسفر والمفاجآت الغريبة التي لم يكونوا يتوقعونها ، من أسلوب الناس الجاف في التعامل وإن كانوا فعلاً خدومين ، إلى جانب الأسعار المرتفعة غير المبررة للفنادق والليموزينات ورسوم دخول المنتزهات والملاهي ، والوضع الغريب بوجود يوم للعوائل ويوم للشباب في بعض الأماكن والذي منعهم من دخول مدينة ملاهي لأنه كان يوماً مخصصاً للشباب ، فلم تكن لتفترق العائلة ليدخل "أحمد" وحده للملاهي ! إلى جانب ذاك الرجل الذي تعرض لـ "أحمد" بخشونة متهماً إياه بمعاكسة ابنته التي لم يظهر منها سوى كفيها وعينيها من خلف عباءة سوداء !
والحقيقة أن "أحمد" كان ينظر إلى الفتاة باستغراب وليس بإعجاب ، فهو لم يألف بعد أن تكون كل النساء متشحات بالسواد ولم يعرف السبب الحقيقي لذلك لثقافته الدينية والاجتماعية المتدنية .. ولكنه نال عقاب تلك النظرة بتوبيخ شديد من والد الفتاة جعله يتعلم أول درس سياحي في السعودية : لا تطالع وإلا فقعنا عينك !!

***

طال انتظار "حمدي" وعائلته على كورنيش جدة على أمل أن يجدوا ليموزيناً في هذا الوقت المتأخر من الليل ليقلـّـهم إلى الفندق . كان الزحام على الكورنيش شديداً وحركة المرور تكاد تكون متوقفة ، والجو السيء ضاعف من توتر الجميع !
ومن بعيد شاهد الجميع ذاك الليموزين المنقذ وهو يتجه إليهم ، ومن فرط تعبهم وتوترهم قفز الجميع من الرصيف إلى الشارع دون اتفاق مسبق ليوقفوا الليموزين !
واستغل سائق الليموزين وجهة "حمدي" وعائلته البعيدة نسبياً ، وطلب سعراً مهولاً كأجرة توصيل متحججاً بالزحام الشديد والوقت المتأخر ومنوّهاً بأنه لا يوجد ليموزينات حالياً !! حاول "حمدي" أن يصل لاتفاق مع السائق بأن ينقده أجره بناءً على عداد السيارة .. فاستغرب السائق هذا الاقتراح وأكد له بأن العداد لا يعمل ولا يستخدمه أحد أساساً !!
وهنا .. تكالبت كل الأمور على "حمدي" ، وتجمع تعبه وتوتره وعصبيته وحرارة الجو في قنبلة متوسطة الحجم ، فنزع فتيلها وانفجر في السائق قائلاً :
انت حتوصلني غصب عنك على حسب العداد ، وإلا حنادي لك بوليس السياحة يتفاهم معاك في السعر !!
اغتاظ الرجل من أسلوب "حمدي" الثائر ، ولكنه تمالك نفسه قائلاً بضحكة عصبية :
أي بوليس سياحة وأي أسعار !! احنا ما عندنا مراقبة أسعار ولا بوليس سياحة ولا عندنا سياحة أصلاً عشان يكون عندنا بوليس لها !! انت ايش اللي جابك من بلدك ياملقوف ؟؟ مسوي جاي تتمشى عندنا يعني ؟؟ أنا أصلاً ما اشتغلت في هذا الوقت من الليل إلا قاعد أجمع فلوس أسافر بها مصر ، وانت جايني هنا تتمشى ؟؟
ثم ضحك ضحكة مستفزة وهو يكمل :
روح بلغ بوليس السياحة بإن اسمي (....) وسيارتي (....) وإني ما أبغى أوصلك إلا بألفين ريال ..
ثم قذف ضحكة شامتة في أذني "حمدي" لم ينسها في اليوم التالي وهو في طائرة العودة إلى مصر مع عائلته .. وكان أكثر مايشغل تفكيره سؤال واحد : يا ترى ايه معنى كلمة ملقوف ؟؟

حلوة يابلدي (2)

خمس مقاعد في وسط الطائرة احتل أحمد أولها ، تليه شقيقته ثم أمه ثم قائد الرحلة "حمدي" .. وفي المقعد الخامس بجوار "حمدي" جلس رجل سعودي أربعيني ، تبدو عليه سمات الوقار .. وعندما أطفئت علامة ربط أحزمة المقاعد ، لم يستطع "حمدي" أن يتمالك نفسه من أن يلتفت صوب جاره السعودي معرفاً بنفسه بحماس ، شارحاً رحلته البطوطية هو وأسرته إلى السعودية !
ولم يغب عن السعودي محاولات "حمدي" للاستعراض بمعلوماته عن آثار السعودية ، وببساطة سأل السعودي : انت مين اقترح عليك تصيّف في السعودية ؟
رد "حمدي" بفخر : كانت فكرتي بصراحة ، لأن الآثار كتيرة في السعودية ؟
سأل السعودي باهتمام : وهل زرت آثار مصر كلها ؟؟
تلعثم "حمدي" وهو يجيب : مش كلها يعني ، لكن أدينا بننوع !!
رد السعودي بهدوء : السعودية كما تفضلت يبو أحمد فيها آثار كثيرة لكن ماحتعرف توصل لشي وحتعاني من عقبات كثيرة !!
ظهر التوتر في صوت "حمدي" وهو يقول : قصدك ايه يا أستاذ ؟؟
ابتسم السعودي بهدوء وهو يقول : أي سائح يحتاج أكثر من مجرد معرفته بتاريخ وآثار بلد معينة .. بمعنى ، لا يكفي يا أستاذ حمدي إنك تعرف إن فيه أثر معين في الطائف ، أو أثر آخر في الرياض أو المكان الفلاني ، لازم يكون عندك مرشد سياحي .. أو على الأقل كتيب إرشاد سياحي .. وهذي الحاجات للأسف من الرفاهيات اللي لا المواطن السعودي ولا السائح الأجنبي بيلاقوها !
توتر "حمدي" وتسارعت كلماته مدافعاً : بس أكيد سواقين التكاسي عارفين برضو لو قلت لهم !
لم تفارق السعودي ابتسامته وهو يقول : سواقين التكاسي ممكن يودوك عنوان انت توصفه لهم بالمللي .. أو يودوك فندق معين أو ماشابه .. لكن تقول له آثار !!!! ما أظن .. هذا غير إن بعض مناطق السعودية اللي انت مخطط تروحها مافيها تكاسي أصلا !
اتسعت عينا "حمدي" في ذعر وهو يردد : مفيش تكاسي !!!! طب نأجر عربية أو ناخد مواصلة عامة .. ولا ماعندكمش ؟؟؟
ضحك السعودي ضحكة قصيرة وقال وباصات خط البلدة تمرّ بمخيلته : تقدر تأجر سيارة يا أستاذ حمدي ، لكن حنرجع للمشكلة الأولى ، يلزمك دليل سياحي أو كتيب إرشاد سياحي ! وبالنسبة للمواصلات العامة فما عندنا غير التكاسي ، ومثل ماقلت لك مو في كل المدن ! يعني لا باصات ولا قطارات ولا أي شي !
ازداد إحباط "حمدي" عندما أكمل السعودي : وبعدين حتى لو معاك سيارة ومعاك كتيب سياحي ، وارد جداً إنك تمر من جنب الأثر أو المعلم وماتعرف إنك مريت من جنبه ، لأنه ببساطة مو مكتوب عليه أي لوحة تعريفية أو حتى تحذيرية إنه أثر ! وهذا طبعاً لو كنت محظوظ ولقيت في الشوارع أي لوحة إرشادية توضح أماكن واتجاهات الآثار والمتاحف !!
كاد "حمدي" أن يهتف بسائق الطائرة أن ينزله هو وأسرته في أي حتة على جنب ، لولا أن تذكر فجأة أنه ليس هناك سائق طائرة وإنما كابتن طائرة ، وأنهم في الجو وبالتأكيد مفيش أي حتة على جنب !

***

أول مالاحظته "أم أحمد" عند وصولهم لمطار جدة حالة جمود عضلات الوجه عند السعوديين العاملين في المطار ! أو بمعنى آخر ، حالة العبوس وعدم الابتسام ، والتي تستطيع رؤيتها في جميع الوجوه ، وكأنه وباء جماعي أو نوع من انفلونزا الابتسامات أصاب الكل فأصبحوا لا يبتسمون !!وتذكرت أبناء جلدتها الذين ما أن تطأ أرض مطارهم في مصر ، حتى يبادر الكل للابتسام في وجهك وترديد العبارة الشهيرة "كل سنة وانت طيب يابيه" ، "كل سنة وانتي طيبة يامدام" .. فهي وإن كانت عبارة تزلفيّة واضحة من فصيلة شفاطات العملات ، ولكن تظل الابتسامة موجودة ومزيلة للتوتر ..
وخاطبت "أم أحمد" نفسها قائلة : هو عندهم مصيبة في المطار والا ايه !! مالهم مبوزين كدا ؟؟
أما "حمدي" فحاول استكشاف النفوس وطبائع الناس عندما خاطب رجل الجوازات مبتسماً بتودد : ألاقي فين مكتب سياحي ممكن نأجر منه عربية أو ناخد منه عربية بسواقها عشان يفرجنا على البلد ؟؟
رد رجل الجوازات بأدب ولكن بنفاد صبر ودون حتى أن ينظر إلى "حمدي" : مافي مكاتب سياحة ، لكن اطلع من بوابة الصالة وروح يسار بتلاقي شركات تأجير السيارات .
شكر "حمدي" رجل الجوازات ، وإن أحس في نفسه بحرج واستغراب من هذا الأسلوب الجاف ، ولكنه صبّر نفسه بأن الحال في مصر ليس بأفضل منه في السعودية ! ولكنه بدأ يصدق كلام الرجل السعودي من الطائرة بأنه لا يوجد فعلاً مكاتب سياحية !!!
وبدأت رحلة "حمدي" وعائلته ..

يتبع ...

الجمعة، 19 يونيو 2009

حلوة يا بلدي (1)

تهلل وجه "حمدي" فرحاً وهو يطالع شهادة آخر العام لابنه "أحمد" ، الحاصل على تقدير ممتاز وأحد المراكز المتقدمة على مستوى الجمهورية في اختبارات الثانوية العامة ..
ونفضت "أم أحمد" الشقة بـ "زغروطة" (غطرفة) مفاجئة واحتضنت "أحمد" ودموع الفرح تتلاحق على وجهها ..
ومن بعيد قدمت "زهرة" شقيقة "أحمد" وكلها ترقـّـب لقرار والدها ، الذي وعدهم بمفاجئة مذهلة إن هم نجحوا في اختبارات هذا العام ..

<حنروح السعودية>
نطقها الأب بنبرة مترقبة لردود أفعال أبناءه ، الذين فرحوا جداً بقرار أبيهم ..
ليس بذهابهم إلى السعودية ، وإنما لفكرة خروجهم من بلادهم وسفرهم للخارج لأول مرة ، مما سيجعل هناك مجالاً للتفاخر أمام الأقرباء والأصدقاء بكونهم أول من يسافر في محيطهم الاجتماعي !

***

عندما انفردت "أم أحمد" بزوجها أعربت عن استغرابها من اختياره للمملكة السعودية لقضاء إجازة الصيف ، وذكرته بأول سفر لهم للسعودية منذ مايقارب التسعة عشر عاماً لقضاء فريضة الحج ، وكيف أنه بلد لا سياحة فيه ولا مكان تذهب إليه !
أزال بعض قلقها - أو حاول - بقوله أن ذاك كان منذ مايقارب العقدين من الزمان ، أما الآن فيكفي أن تنظري للحرم في التلفاز ومدى توسعته والتخطيط له ، لتعلمي مدى تقدم السعوديين ..
ذكرته "أم أحمد" بأنها لم تسمع في حياتها عمّن سافر إلى السعودية لقضاء الصيف أو حتى أي فصل من فصول السنة !
فلا إعلانات عن السفر للسياحة في السعودية ، ولا وكالات سياحة بها برامج سياحية ، ولا حتى أي أخبار عن قريب أو بعيد زار السعودية واستمتع بقضاء إجازة فيها ، إن لم تكن إجازة دينية بين مكة والمدينة !
فأكد لها أنه قرأ الكثير من المعلومات عن السعودية ، واهتمامها بالسياحة والآثار ، وجهود هيئة السياحة والآثار السعودية .. وذكرها بالآثار التي تحتضنها أراضي السعودية والفرصة الرائعة لرؤيتها ، بدءاً من مقام إبراهيم والحجر الأسود في مكة ، مروراً بقبر رسول الله والبقيع وجبل أحد في المدينة المنورة ، ومروراً بأرض بدر خارج المدينة ، والتي شهدت أول معارك المسلمين ..
ولعل الفرصة تواتيهم ليروا مدائن صالح ، أو على الأقل ليزوروا مسجدي عداس و ابن عباس الأثرييْن في الطائف ، وسد سيسد المبني في عهد معاوية بن أبي سفيان .. وسيكونون من المحظوظين إن استطاعوا أن يجدوا فوجاً سياحياً ينزل بهم إلى رجال ألمع ليروا بقايا حكم العثمانين ، أو الفاو ليروا مثال المدينة العربية الكاملة قبل الإسلام .. وبالتأكيد يجب المرور على جزيرة تاروت التي عـُـثر فيها على آثار تعود لما قبل الميلاد .. وقصر إبراهيم وقصر خزام في مدينة الهفوف ، وبما أنهم سيزورون الهفوف فبالتأكيد سيزورون مسجد جواثا الذي بـُـنيَ في السنة الثانية من الهجرة .. ولن تنتهي الإجازة في تيماء ، وسيكون للمتاحف نصيب من الزيارة !

فغرت "أم أحمد" فاها متعجبة من هذا السرد الأثري التاريخي ، وتخيلت إجازتها مع أطفالها للمرة الأولى منذ أمد ، تكون بين عبق الماضي ورائحة الأموات وجدران لا تنطق !! كان الأمر ممتعاً في جانب منه ، أما أن تكون إجازتها كلها آثار ، فهذا ما لن تحتمله أعصابها ..
ولم تستطع "أم أحمد" أن تمنع نفسها من السؤال : <عندهم سينما !!!!>
أجابها مسرعاً : <طبعاً عندهم ، وفيلم مناحي مكسر الدنيا .. وبعدين احنا عندنا سينما هنا !>
سألت ثانية : <و ايه أخبار المسرح عندهم ؟؟>
تردد قبل أن يقول : <معنديش فكرة !>
غمغمت بغيظ : <و اشمعنى دي اللي معندكش عنها فكرة !!>

***

دخل "أبو أحمد" وعائلته لمطار القاهرة ، وفي الوقت الذي تكونت فوق رأسه غيمة وردية عن كمّ معلومات الآثار التي سيتلقاها من زياراته المتعددة لها ، تكونت غيمة من نفس اللون فوق رأسي ابنيه عن رحلات البحر ومدن الملاهي و ... تكونت غيمة سوداء فوق رأس "أم أحمد" عن هذه الإجازة المشؤمة السوداء !
لم تدر لماذا لم يرتح قلبها لهذا السفر ، وازداد عدم ارتياحها عندما رأت كمّ السعوديين القادمين من السعودية تشقق البسمة شفاههم ، وقليل من السعوديين العائدين مكفهرة وجوههم !!!
وانقبض قلبها في ضيق !!

يتبع ...

الثلاثاء، 16 يونيو 2009

السينما السعودية

طالعتنا الصحف منذ أيام بخبر تجمهر بعض الناس أمام مركز الملك فهد الثقافي بالرياض ، أثناء عرض فيلم "مناحي" ! والتجمهر لم يكن احتفالاً ، بل اعتراضاً على ما أسموه الخطوة الأولى في طريق السينما .. حيث أصرت الفئة المتجمهرة على الدخول بالقوة لتقديم النصح والإرشاد إلى الفئة الضالة في نظرهم ، وهي فئة السينما بالتأكيد !

نقاط عدة وردت في ذهني بمجرد قرائتي لهذا الخبر :
1- منذ متى يكون النصح والإرشاد بالقوة ، والله سبحانه وتعالى نوّه في القرآن بالموعظة الحسنة ؟؟
2- هل يعي هؤلاء المتجمهرون أن في السعودية محلات مرخصة لبيع أفلام الفيديو ؟؟ أين هم عن النصح والإرشاد ولو حتى في وسائل الإعلام عن هذا الموضوع ؟؟
3- محلات بيع أشرطة الأغاني وحفلات الغناء التي تقام سنوياً في جدة وأبها والرياض لم تتعرض لما تعرض له فيلم "مناحي" ! فهل سماجة مناحي وقعها أقوى دينياً واجتماعياً على السعوديين من كلمات الأغاني والحفلات التي تستمر لساعات الصباح الأولى ؟؟ أين المتجمهرون عن ذلك ، خاصة في ظل فتوى الأئمة الأربعة وحتى عند بعض المذاهب الأخرى بمحرومية سماع الأغاني ؟؟ هل نغضّ الطرف عن ما وردت فيه الفتوى ، ونتجمهر ونفسـّـق مالم تصدر فيه فتوى لمجرد أن فئة "لم يعجبها الحال" ؟؟
4- ماهو الضرر الحقيقي من افتتاح دور عرض السينما ؟؟ فالناس الآن يتابعون الأفلام في البيوت وفي دور عرض مصغرة مقولبة في شكل مقاهي ومطاعم (يوجد منها في منطقة البلد في جدة) .. إلى جانب تحميل الأفلام والمسلسلات الأجنبية من النت .. وبعض من أعرفهم ممن يصفون أنفسهم بالملتزمين دينياً يمارسون هذا التحميل من النت (يعني غير ذنب الفرجة على شيء قد يكون غير جائز ، فهم يخالفون حقوق النشر) !! كل هذا يدل على أن التجمهر لم يكن من أجل فكرة السينما بحدّ ذاتها ، وإلا لوجدت كل هؤلاء يقومون بإحراق وإتلاف محلات الفيديو والدشوش .. وهذا يقودنا للاستنتاج الآخر المنطقي ، وهو معاداة فكرة السينما بحجة الاختلاط !! وهذا يقودنا للرقم "5" .
5- الناس الآن مختلطون في الأسواق وخاصة مطاعم الأسواق أو مايسمى بالـ "فوود كورت" والمتنزهات والملاهي والطائرات (حتى السعودية) وحفلات الألعاب النارية وفي مهرجانات الأسواق ، حيث الكل يرسل أطفاله للمشاركة وسط التجمهر الجماعي للنساء والرجال .. إذاً الاختلاط في السينما هو نفسه الاختلاط في هذه الأماكن العامة ، ومن دخل داراً لعرض الأفلام يعرف ذلك .

ولنتحدث عن تجربة الدول العربية في السينما . سافرت لعدة دول عربية بها دور سينما وكان الوضع الطبيعي لأي أسرة تدخل لتشاهد الفيلم أن يجلس رجال الأسرة على طرفين ، حاصرين نساء الأسرة بينهما ، أو العكس ، بحيث يكون الحاصل أن يجلس الرجال أو النساء على الأطراف بجانب رجال مثلهم أو نساء مثلهن .. ولم يكن يحتاج الأمر لمنسق للأمر أو "مضيف" مثل الخطوط السعودية لترتيب الجلوس ! وعند بدء عرض الفيلم لا أحد يتكلم إلا من همسات أوتعليقات على الفيلم والعيون كلها على شاشة العرض ، ولا أحد يتجرأ - وأقولها بثقة - لا أحد يتجرأ على فعل شائن خشية بطش المنسقين (المتواجدين من إدارة السينما بالتأكيد) وخشية بطش الناس أيضاً الذين ستأخذهم الحميّة ضد أي مارق خارق للقوانين و"سيعجنونه" تحت أقدامهم ، فليست الحمية والغيرة مقصورة على السعوديين !

حضرت قبل أسابيع محاضرة في غرفة جدة ، وفي آخر المحاضرة استشهد المحاضر بقصة حقيقية تم تمثيلها في فيلم هوليوودي . وببساطة قام بتشغيل الفيلم الأمريكي على كمبيوتره الشخصي ، ناقلاً الصورة على شاشة عرض كبيرة ! وبالطبع استدعى الأمر أن تطفأ الأضواء إلا من نور خافت .. كنت جالساً في الصف الثاني ، وفي أثناء عرض الفيلم التفتُ خلسة إلى الخلف لأرى ردود فعل الناس ، فإذا الكل "منتبه و متابع" ولا شيء يثير الريبة ، مع أن أكثر الحاضرين في سن الثلاثين فما دون ، والرجال يتقدمون صفوف النساء .. ولكثرة الحضور النسائي اضطر المنسقون لتقسيم القاعة طولياً وليس أفقياً .. بحيث أصبح الرجال والنساء يجلسون على مستوى واحد ، لو لوى أحدهم عنقه لرأى جنساً آخر ! ومع ذلك لم يحدث مايجعلنا نخاف ونهلع من فتح دور السينما !!

لعلّ المتشائمين سيقولون لن ننتظر ليحدث شيء ما لنغلق دور السينما .. فأقول لهم : لن يكون الاختلاط في دور السينما أشدّ منه في الأسواق ، ولن يكون الكلام بين الرجال والنساء في السينما أشد منه بين البائع والزبونة ، فالكل في السينما سكوت !
ولو كان الاعتراض شرعياً من حيث الاختلاط ، فمواقف كثيرة مثل التي ذكرناها آنفاً فيها اختلاط أكبر ! ويكفي حضور كل امرأة مع محرمها لينتهي الأمر .. وللعازبين والعازبات يكفي تخصيص وقت محدد للشباب على حدة وللنساء على حدة كما يحصل في ملاهي الشلال ..

بعد كل هذا التفصيل في الحقائق ، ماهو المانع الحقيقي لبدء افتتاح دور سينما سعودية ؟؟
هل هو مانع شرعي أم مانع اجتماعي ؟؟