الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

الأعذار والاعتذار

"لا تتأسف"
"أنا أصلاً ما أزعل منك"
"أنا مو قصدي أخليك تعتذر"
"مافي داعي للاعتذار"

أمثال هذه العبارات نقولها أو نسمعها عندما تكون هناك مشاحنات في العلاقات المقربة . ولا أدري حقيقة هل هذه العبارات صادرة من قلب وبمعناها الذي تقوله حروفها ، أم أنها عبارات من باب المبالغة فقط لا غير !
هل أثناء ارتفاع أصواتنا مع مقربينا لا نهدف فعلاً إلى تبرئة أنفسنا ، وإلقاء اللائمة عليهم ؟؟
وهل لا نغضب فعلاً إذا ما أساء الآخر إلينا ؟؟
أو حتى لو لم يسئ إلينا وأسأنا نحن الفهم ؟؟
هل نحن حقيقة لسنا بحاجة إلى الاعتذار ؟؟

أغلب الظن أننا نبالغ ولا نعبر فعلاً عما نشعر به ! فمن منا ليس بحاجة للاعتذار ؟؟ ومن منا لم يسأل نفسه إذا لم يعتذر الآخر "ليش ما يعتذر ؟" أو "يعني أنا مالي قدر عنده عشان يعتذر ؟" أو "كيف يكلمني وكأن ما صار شي وبدون مايعتذر ؟"

الاعتذار يصفي النفوس ويذهب غيظ القلوب ويثبت للآخر مقدار محبتك واحترامك له . وقد يغني قليل من التوضيح بعد هدوء العاصفة عن اعتذار ثقيل متأخر .
والمعتذر شخص شجاع ، يكسب بشجاعته قلوب أعداءه قبل قلوب أصدقاءه . وليس أبخل ولا أجفى ممن يبخل بمشاعره ويجفى مقربيه عن اعتذار أو توضيح لما صدر منه . فتجده لنفسه بارعاً في اختلاق الأعذار ، بخيلاً في الاعتذار !

إذا أخطأت فاعترف بخطأك ، دون أن تبرر نفسك للآخر أثناء الاعتراف والاعتذار . فليس أسوأ من أن تشرك الآخر في خطأك وتشعره أنه لولا أنه قال كذا أو فعل كذا لما بدر منك ماكان ! اعترف بتقصيرك وخطأك وأنت تعنيه وأنت تنظر في العينين مباشرة ، حتى يشعر الآخر بصدق مشاعرك .

وإذا أساء أحدهم إليك فالتمس له العذر على قدر طاقتك ، وعلى قدر معرفتك به . فإن وجدت الحق معك فعبر للآخر عما يدور في خلدك وعن مشاعرك السالبة ، ولا تنكر استيائك إذا ما حاول سؤالك عما بك ، فإنه لم يسألك إلا لاهتمام بك .
ولكن ليحذر المعتذر من محاصرة الآخر بالسؤال ، فبعضهم يهدأ من تلقاء نفسه ، ويحتاج مساحة ووقتاً لهذا الهدوء . وبعضهم يخجل من التصريح باستيائه لتفاهة السبب ، أو لكثرة تكراره ، أو أنه لا يريد أن يشعر الآخر بأنه يغضب من أتفه الأسباب ، أو لأي سبب آخر .

إذا وجدت نفسك قادراً على الاعتذار والاعتراف ، فاعرف أنك شجاع . وإن وجدت نفسك تختلق الأعذار ، ويحول كبرياؤك دونك والاعتراف والاعتذار ، فاعرف أن بك نزعة من غرور ، أو أن الآخر لا يعني لك الكثير !!

همسة للقلوب الرقيقة: أرقى أنواع الاعتذار ، هو ما كان لخالقك ، على ما بدر منك من تقصير أو سوء أدب أو استغلال لإمهاله لك بتجرؤك على محارمه .
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

حتى التميس !!!

ننظر للواسطة على أنها شيء سيء أعاق تقدم البلد ، وعطل الكثير من مصالحنا ، ونطالب دوماً بتدخل حكومي أو ملكي لمنع الواسطة أو على الأقل تخفيف انتشارها السرطاني في كل أنواع المعاملات !!
ولكن الحقيقة أن الواسطة مبدأ إسلامي إيجابي ، يحث على التكافل والرحمة وتذكر المطحونين من الناس الذين لا يعرفون الواسطة ولا يسألون الناس إلحافاً ، وبالتالي تؤثر على العلاقات الإنسانية إيجابياً . بل إننا لن نبدأ الحساب يوم القيامة إلا بعد أن نتوسط عند الأنبياء ليدعوا الله أن يحاسبنا ويريحنا من الوقوف الطويل !!

نحن الذين أسأنا استخدام الواسطة حتى حولناها لشكلها البشع الآن . ففي الوقت الذي نطالب فيه بالقضاء عليها ، تجدنا عند قضاء أي مصلحة نتواصل مع معارفنا لنحصل على واسطة تسهل الأمور وتسرعها وتقلل تكلفتها وعناءها !! بل ولا نتورع عن الاتصال بأناس لم نتواصل معهم من سنين عجاف لمجرد تذكرنا أنهم قد ينفعوننا الآن .. وهذا من أسوأ ما أنتجته الواسطة من العلاقات الإنسانية المصلحجية !! فهو يعني أن العلاقات الاجتماعية ليس لها دور سوى الواسطة و "معرفة الناس كنوز" (مادية مو معنوية أو معرفية) ، ويعني أيضاً ان الواسطة حلال علينا وحرام على غيرنا !!!

رسول الله موسى - عليه السلام - توسط لأخيه هارون - عليه السلام - ليصبح رسولاً .. قال الله تعالى : (هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) قال المفسرون : أي أشركه في أمر النبوة والرسالة .. فأي واسطة أعظم من هذه الواسطة !!!!
ولكن ما حدى بنا إلى هذه المأساة في الواسطة هو أننا ندخلها في كل أمور حياتنا ، ونجعلها شماعة نلقي عليها جميع عقباتنا وفشلنا وعدم وصولنا إن لم نملكها ، ونجعلها أداة النصر إن ملكناها ، ونسينا أننا لو توكلنا على الله حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير ..

لا أطالب بإلغاء الواسطة ، ولكن أطالب بتقنينها ، وأطالب كل ذي منصب بأن يتقي الله قدر ما يستطيع فيما تحت يديه من صلاحيات ، وأطالبه بأن يقبل الواسطة فيما يستحق أن يقبله ، ويرفضها فيما لا يستحق .. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة . ومن ستر مسلماً ، ستره الله في الدنيا والآخرة . والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) مقدمة الصحيح/2699 .

ومن يقول بأن الدول المتقدمة لا واسطة فيها كاذب أو جاهل . فهي موجودة في كل بلد وفي كل عصر ، ولكنهم أحسنوا استخدامها وأسأنا استخدامها .. فهم و إن أساءوا استخدامها فعلى نطاق ضيق لا يضر بمصلحة بلادهم ، بعكسنا ، وقد تشربنا أصول الواسطة منذ صغرنا ، فأصبحنا نبحث عنها قبل حتى أن ندعو الله أن ييسر لنا !! ونبحث عن الواسطة في كل شيء حتى في صف التميس !!!

ابحث عن واسطة إن كنت تعرف ، وتوسط لغيرك إن كنت تقدر ، ولكن لا تبطل حقاً أو تحق باطلاً بواسطتك فتؤذي الناس .. قال الله تعالى : (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) .. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه السائل ، وربما قال : جاءه السائل أو صاحب الحاجة ، قال : ( اشفعوا فلتؤجروا ، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء) الجامع الصحيح/7476 .

أما نصيحتي لمن لا يستطيع الوقوف في وجه الواسطة لضعف منصبه ، أو لطيب قلبه ، أو لأنه لا يرد أحداً ، أو لأنه يملك قبيلة كبيرة أو لأي سبب آخر ، هي : ليس شرطاً ان ترد كل الواسطات ، ولكن بالتأكيد ليس كل الواسطات تستحق القبول !! وكلنا يستطيع التمييز ويستطيع أن يمسك العصا من منتصفها ..

الأحد، 27 سبتمبر 2009

السعادة .. وجهة نظر

يحزنني كثيراً ، بل ويصل بي - مرات - حد الإحباط أن أسمع ممن حولي عبارات الحزن والأسى وأن قدرهم ونصيبهم و" حظهم" نحس !! فتجدهم لا يتركون مجلساً ولا نادياً ولا اجتماعاً إلا وزفراتهم وتنهيداتهم ترفع من حرارة الجو ، وقصصهم البائسة بظلم الحياة والناس لهم تملأ فضاءات المجالس !! وهؤلاء تجدهم لا يستطيعون أن يتمتعوا بشيء من مباهج الحياة . وتتركهم سنين وأجيال وقرون فتعود لتجدهم كما كانوا يندبون حظهم العاثر !!

السعادة ليست شيئاً نبحث عنه ونجده فيهبنا الفرح مدى الحياة ، بل الفرح رحلة .. رحلة طويلة يغدو المرء سعيداً بارتحالها وقضاء عمره بسنينه وشهوره وأيامه وساعاته ودقائقه وثوانيه فيها ..
ضاقت الدنيا بالناس ، وضاق الناس بالدنيا فلم يعد لهم صبر على العيش فيها ، وأصبح الكل ينتظر الفرج والسعادة !!! ولن يأتي لا فرجٌ ولا سعادة ، لأنهما لا يأتيان أصلاً ، بل يعيشان بداخل الإنسان .. برضاه بما قسم الله له في الدنيا ، وبصبره على ما ابتلاه الله به ..
وبعضهم إن سألته مايسعدك ، أجابك بلا أدري !! وكثيرون يعتقدون أن السعادة في منصب أو حبيبة أو مال أو سيارة .. وهي في جوهرها ليست كذلك ..
بل قد تكون باستمتاع المرء بأكلة يأكلها ..
بطفلٍ يداعبه في الطريق ..
بيتيمٍ يمسح رأسه ..
بمشهد نظرات هرٍّ يترصد لعصفور صغير لينقض عليه ..
بسماعه لألحان حفيف أوراق أشجار الخريف ..
بتخيل أشكال ترسمها السحب ..
بهوايةٍ يمارسها أو يتعلم غيرها كل مدة ..
بتجربة شيء جديد ..
بتطبيقه لحديثٍ أو آية يكررها لسانه ولاتطبقها جوارحه !!
أو حتى استمتاعه باختلائه بنفسه أو بصمته !!

السعادة أن تحوّل كل مابين يديك إلى وسيلة تؤدي لسعادتك ومن حولك ..
السعادة أن تنظر إلى كل مايصيبك بمنظار غير اللون الأسود لترى حكمة الله فيما أصابك .. ولتستمتع بوقوفك على قدميك من جديد نافضاً غبار الحزن وغبار المصيبة ..
السعادة أن تهب السعادة لمن حولك ..
السعادة أن تقتنع بأن السعادة شيء لا تجده ، بل شيء تعيشه ..

اعتراف :
الحقيقة أنني في فترة من فترات حياتي كنت أتعاطف كثيراً وأستمع كثيراً لهذه الفئة من الناس ، وأحاول أن أخفف عنهم وأحتويهم .. أما الآن قلّ ذلك كثيراً ، وصرت أفرّ منهم فراري من الأسد ، لأن بعضهم يحلو له العويل وندب الحظ ويستمتع بالتفاف الناس حوله ومراضاتهم له وتخفيفهم عن همومه الزائفة ؛ خاصة الذين يظنون أنفسهم محور الكون ، فيظنون الكل يتقصدهم بنظراتهم وتلميحاتهم وتصريحاتهم ، بل ويظنون الكون بأسره بدوله وحكوماته وأفراده متآمرون على نحسهم !! فيتقوقعون حول أنفسهم باكين متباكين !! فلا وقت عندي لهؤلاء ..

الإنسان بحاجة لمن يبهجه وينسيه همه ويوسع مداركه ونظرته للدنيا ومباهجها ، وليس بحاجة لمن يزيده هماً ويمطره كآبة طوال الوقت ..
وقد أستمع لشكوى أحدهم ، ولكن لن أقبل بأن أكون "معددة" (على قولة شعب عربي مجاور) أوافق المهموم وأجاريه في كل كلمة .. ولذلك لم أعد أميل كثيراً لمجالس العويل وندب الحظوظ وأصبحت تصيبني بالغم !! والحياة أقصر من أن نقضيها في حزن وكآبة وشكاوى وولولة !!

بالطبع لن ينقضي عمر الإنسان في سعادة دائمة مهما كان متفائلاً وإيجابياً .. ولابد من لحظات حزن على شيء كان .. ولا بد من لحظات همٍّ على شيء قد يكون .. ولابد من لحظات غمٍّ على شيء كائن .. ولكن يجب ألا يكون هذا هو ديدن الإنسان وشخصيته العامة ..

ختاماً .. ادعُ بدعاء رسول الله ، واتخذ بالأسباب (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال ) الجامع الصحيح/6369 .

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

تأملات رمضانية

لاحظت بعض التصرفات الرمضانية من أئمة وخطباء ، ومن عوام الناس ، والتي أجدها لا توافق كتاباً ولا سنة ولا حتى منطقاً !!
فمن بعض المخالفات الصريحة في بعض العبادات ، إلى بعض الخروج عن المنطق ، إلى الاهتمام ببعض المندوب إليه وترك السنة ! وهي ملاحظات متفرقة جمعتها من الملاحظة الشخصية أو من قراءات ومشاهدات متفرقة .

وأول ما أبدأ فيه هو مسألة الدعاء ، وذلك ببعض تصرفات أئمة التراويح أو خطباء الجمع ؛ إلى جانب تصرفات بعض المأمومين !!
وأول مسائل الدعاء هي مسألة رفع الصوت بالدعاء من الأئمة ، ورفع صوت البكاء من الأئمة والمأمومين . والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل : (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين) ؛ إذاً رفع الصوت من التعدي في الدعاء .
ونحن لسنا أفضل من نبي الله زكريا - عليه السلام - ، فقد قال تعالى : (إذ نادى ربه نداء خفياً) . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ، إن الذي تدعونه سميع قريب" . وعن بعض السلف قال : يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء !!
وتجنباً للإطالة في سرد الأدلة على مكروهية رفع الصوت بالدعاء والبكاء أكتفي بهذا القدر ..
فأين الأئمة والمأمومين من هذا الخلق النبوي الكريم ؟ فتجدهم يزعجون المصلين بتكلفهم بصياحهم ونياحهم وبكائهم بما يقطع خلوة المصلي بربه وتدبره للدعاء أو القراءة .

ومما يتعلق بمسألة الدعاء ، أن بعض الأدعية غير منطقي على الإطلاق !! بل تخالف شرع الله وسننه الكونية الثابتة التي لا تتغير !! ومن ذاك قول أئمة خطباء الجمعة - في الغالب - الدعاء التالي : اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يُعز فيه أهل طاعتك ، ويُذل فيه أهل معصيتك !!! هل شرع الله هذا الدين ليـُـذل فيه أهل المعصية ولندعو عليهم ، أم لندعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ؟؟؟ فقد ثبت عن كثير من أصحاب رسول الله أنهم أذنبوا ذنوباً وتابوا عنها ، بل بعضهم أذنب كبائر الذنوب كالتولي يوم الزحف ، وتابوا فتاب الله عليهم ، ولم يـُـذلوا . غير أن سنة الله في الكون أن يذنب الناس فيستغفرون ربهم فيغفر لهم . قال - صلى الله عليه وسلم - : "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم" صحيح مسلم/2749 .

كما أن من الأدعية غير المنطقية ، الدعاء على غير المسلمين بالهلاك والدمار وزلزلة الأرض من تحت أقدامهم وقطع نسلهم .... وهذا دعاء غير منطقي وغير ممكن الحدوث لأنه ببساطة يخالف سنن الله الكونية ببقاء الكفار إلى قيام الساعة وقيام الساعة على شرار الخلق ، وأن غير المسلمين يتآمرون على المسلمين ، وأن اليهود يتبعون الدجال ، وأن حرباً تكون بيننا وبين غيرنا في نهاية الزمان ... إلخ . فكيف ندعو الله بما لن يكون !!! بل مايثير ضحكي وعطفي على الناس (لأنه بحسن نية) أن المأمومين إذا وصل الدعاء إلى هذا الجزء تجدهم يؤمـّـنون (يقولون آمين) بقوة قلب !!! وهذا من جهة أخرى يعتبر تعدي في الدعاء ، لأننا لم نؤمر بالدعاء على كل أهل الكتاب ، بل على المحاربين منهم فقط .. أما النساء والأطفال وغير المحاربين فلم نؤمر بالدعاء عليهم ، بل أمرنا ببرهم والعدل معهم ، قال تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) .. والرسول لم يدعُ على دوس ، بل قال : اللهم اهدِ دوساً وائتِ بهم أجمعين .. ومثل هذا من دعا على كل الدنماركيين بسبب كاريكتير رسمه شخص واحد فقط !!! فكيف يُؤخذ شعب كامل بذنب شخص واحد !! قال تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) .

وآخر مسائل الدعاء التي تحضرني ، هي مسألة إطالة الأئمة في الدعاء ، وخاصة في ليلة السابع والعشرين من رمضان ، مع أنها بالإجماع ليست شرطاً أن تكون ليلة القدر ! فتجد ركعة الوتر بالإضافة لدعائها تصل لساعة أو تزيد .. ماهذا التنطع ؟؟؟ وهل أمرنا رسول الله بذلك ؟؟ إلى جانب التكلف في الدعاء والاهتمام بالسجع أكثر من الاهتمام بمحتوى الدعاء ، وترك أدعية رسول الله الواردة والثابتة والمجملة والمفضلة ، والعدول إلى غيرها من الأدعية المفصلة تفصيلاً سمجاً مطوّلاً مملاً يجعل المأموم يتململ في وقفته ويفقد تركيزه ، ويجعل الدعاء يفقد معناه ..
من أراد أن يطيل فليطـِـل في صلاته المنفردة ولا يفتن الناس . ففي الحديث أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة ، فقرأ بهم البقرة ، قال : فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة ، فبلغ ذلك معاذاً فقال : إنه منافق ، فبلغ ذلك الرجل ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إنا قوم نعمل بأيدينا ، ونسقي بنواضحنا ، وإن معاذاً صلى بنا البارحة ، فقرأ البقرة ، فتجوزت ، فزعم أني منافق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا معاذ ، أفتان أنت - ثلاثاً - اقرأ : { والشمس وضحاها } . و { سبح اسم ربك الأعلى } ونحوها . البخاري/6106 .
فإذا كانت الصلاة - وهي أولى وآكد من الدعاء - الإطالة فيها تعتبر فتنة ، فكيف بالدعاء !!! ورسول الله لم يكن يطيل سوى في صلاته المنفردة ، ويخفف إذا أمّ القوم .

وساءني كثيراً أحد أئمة المساجد المشهورين بحلاوة وعذوبة الصوت في مدينة جدة ، حين جائته ملاحظة في ورقة أنك تطيل علينا في القيام فلا نكاد نتسحر !! ومثلها ملاحظة أخرى ، أنك تطيل ونحن كبار في السن .. فساءني رده الذي سمعته بنفسي حين قال في مكبرات الصوت على ملأ المسجد : (المساجد كثيرة وبعض الناس يحب الإطالة ، ومن أراد التخفيف فليغير المسجد !!!!)
هو قالها (والشهادة لله) بأدب وبأسلوب مهذب ، ولكن هل هذا رد العارف بالله ، العارف بسنن رسول الله ؟؟ هل لأنني أحب أن أستمع لصوتك ترد عليّ ردّاً جافاً ؟؟ ثم افرض أنني من جيران المسجد ، أو لا أملك سيارة ، فهل تجبرني على البُعد وبجانبي مسجد قريب يرفض إمامه أن يخفف صلاة ليست مفروضة !!!!

وسؤال يسأله الناس لبعضهم في رمضان ، وهو سؤال ليس مخالفة بقدر ماهو ترك لما هو أولى ، ألا وهو : كم قرأت ؟ كم ختمت ؟ كم ختمة ناوي تختم ؟؟ وين وصلت ؟؟
يقول ابن مسعود - رضي الله عنه - : لا يكن همّ أحدكم آخر السورة .
ورسول الهدى - صلوات ربي وسلامه عليه - كان يدارسه جبريل - عليه سلام - القرآن مرة واحدة في رمضان ، إلا سنة وفاته دارسه مرتين .... هل تعلمون ماذا يعني يدارسه القرآن ؟؟؟ يعني بتدبر وتفكر وقراءة ومراجعة ووقوف على المعاني وخلافه ، وهذا مالا نفعله نحن بقراءتنا المتعجلة بلا تدبر ولا تفكر .. أفنحن أهدى من رسول الله فنختم أكثر من ختمة في رمضان ؟؟؟ ومافائدة الختمة إن كانت بلا تدبر ؟؟ ومافائدة القراءة إن لم تؤثر فينا وتقر في قلوبنا ؟؟

ومن المستغرب أن تجد الشخص يحرص على صلاة التراويح جماعة بينما الصلاة المفروضة يصليها في البيت !! ولن أتحدث عن الذين ينامون عن الصلوات أصلاً ولا يقضونها كذلك !

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ..
وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ..
إن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، وإن أصبت فمن الله وحده ..

الأحد، 30 أغسطس 2009

فوضى وفضاوة

في خبر أثار استغرابي في صحيفة محلية أن عدداً من سكان حي الشرائع بمنطقة مكة المكرمة ، يقيمون دعاوى قضائية فردية وجماعية بالتوكيل الشرعي ضد الفنان فايز المالكي !
وجاء في ثنايا الخبر أن سبب الدعوى هو أن "فايز" في مسلسله "بيني وبينك" ذكر منطقة الشرائع بأنها منطقة مخدرات ، مما ساهم في خفض أسعار العقار وعزوف الناس عن هذه المنطقة !!
بغضّ النظر عن صدق هذه الحيثيات من عدمها ، فلن أتحدث عنها . بل سأتحدث عن موضة الدعاوى القضائية الجماعية والتي تذكرني بالمجاهر بمعاصيه و ردة الفعل الشعبية بالدعاوى الجماعية ضده . وحديثي سيكون عن شرعية هذه الدعاوى وقانونيتها .

ففي نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/21 في 20/5/1421هـ ، في مادته الخامسة للاحتساب في إقامة الدعاوى ، أن الجهات القضائية ملزمة بقبول الدعوى من ثلاثة من المواطنين - على الأقل - في كل مافيه مصلحة عامة ، شريطة ألا يكون في البلد جهة رسمية مسؤولة عن تلك المصلحة . وفي تفسير اللائحة التنفيذية لذات النظام في تفسير "المصلحة العامة" بأنه ما يتعلق بمنفعة البلد ، كما أن المواطنون الثلاثة يجب أن يكونوا من الأعيان وليس من العامة !
والمادة الثامنة من نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/39 في 28/7/1422هـ ، نجد النظام قد أعطى "هيئة التحقيق والادعاء العام" حق رفع الدعوى الجزائية بمواجهة المتهمين متى ما رأت الهيئة بأن في ذلك مصلحة عامة . كما أعطى للهيئة حق التحقيق في الجريمة وإعداد قرار الاتهام ولائحة الدعوى العامة ، وإحالتها إلى الجهة القضائية المختصة للفصل فيها وفقاً لقواعد الشرع وأحكام النظام . (نظام شحليله واضح وصريح)

الآن لنفرض أن المصلحة العامة ومنفعة البلد (كما ينص النظام) تقول بمقاضاة المجاهر بمعاصيه وفايز المالكي ، فإن هذا لا يعني قبول الدعوى أمام الجهة القضائية (سواء كانوا مواطنين أو أعيان) مادام أن هناك جهة رسمية (وهي هيئة التحقيق والادعاء العام) مختصة بإقامة هذه الدعوى ودراسة حيثياتها ، وتقدير مافيه المصلحة العامة من عدمه لإنتفاء الصفة القانونية لغير الجهة المعنية . كما أن قبول الجهات القضائية لهذه الدعاوى واتخاذ إجراءات قضائية ونظامية وشرعية بشأنها ، يعد خرقاً للنظام العدلي الذي نظم طريقة التعامل مع هذا النوع من الدعاوى .
وبناءً عليه لا يجوز إقامة الدعوى - ولو من هيئة التحقيق والادعاء العام - بناءً على تذمر المواطنين ، كما لا يجوز لذات الهيئة مباشرة القضية بناءً على توجيه إداري أقل من التوجيه السامي .

يعني بالبلدي الفصيح :
1- لا يحق للمواطنين ولا الأعيان رفع دعوى قضائية ضد أحد في ما يخص المصلحة العامة .
2- هيئة التحقيق والادعاء العام هي الجهة الوحيدة المخولة بذلك ، بناءً على توجيه سام ٍ .
3- لا يحق للجهات القضائية قبول مثل هذه الدعاوى ما لم تصدر من الجهة المعنية .

الآن وبعد هذا الاستعراض القانوني السريع ، أين دور هيئة التحقيق والادعاء العام في رفع دعوى ضد المذكورين إذا كانت مصلحة البلد العامة تقتضي ذلك ؟ وإذا لم تكن مصلحة البلد تقتضي ذلك فبأي صفة قبلت دعاوى المواطنين مع أن صفتهم القانونية لا تتطابق و شروط إقامة الدعوى ؟
وعلى الجانب الآخر ، أين دور المواطنين من رفع دعاوى أمام محكمة العدل الدولية عن ما يحدث في فلسطين والعراق ونيجيريا والسودان ، وخاصة الدنمارك ؟ هل هي فضاوة المواطنين ، أم هي بسبب غموض النظام ، أم هي عاطفة المواطنين المشوبة بجهلهم بحقوقهم وواجباتهم ومايجيزه لهم النظام وما ليس له صفة قانونية للأفراد ، أم أن غضب المواطنين المكبوت صار يترجم بأي صورة ولو كانت صورة غير صحيحة (يطلعون حرتهم بأي شي بدون تفكير وبعاطفة غير موجهة !!) ؟؟؟
هل يجب عليّ أن أنتظر أحدهم ليخرج في مسلسل تلفزيوني هزيل أو برنامج لبناني حقير ليقول ما يقول لتثور ثائرتي وأرفع دعوى ؟ ألا أستطيع والحال هكذا أن أرفع دعوى ضد أي مارق مأفون يجاهر بمعاصيه أو يتكلم بسوء على الحي الذي ترعرعت فيه ؟ ألا أستطيع أن أقيم دعوى ضد كل مستغل لمنصبه وكل مختلس وكل مقترض من البنوك بالربا وكل من شترى ألبوم شيرين الجديد وكل من يقطع إشارة حمراء وهو يصرح بذلك غير خائف من العقوبة ؟؟؟؟ أليسوا كلهم مجاهرين ؟؟؟؟ بتصير الشغلة لعبة .. وكل واحد بيرفع دعوى ع الثاني .. واستقبلي يامحاكم !!! قمة السخافة والفوضى والفضاوة !
يارب ما يسجنون ناصر القصبي بتهمة تقليد أهل مكة والأحساء والرياض والحضارم والمصريين وتشويه سمعتهم ، حيسجنوه مدى الحياة !
___________
المادة القانونية : مقتبسة بتصرف من مقال للأستاذ يحيى الشهراني (محامي سعودي)

السبت، 29 أغسطس 2009

الخلاف بسبب الاختلاف

من أهم الثقافات التي فرطنا و أفرطنا في تعاطيها ، هما ثقافتي الاختلاف والتصنيف .. ففرطنا في ثقافة الاختلاف ، وأفرطنا في ثقافة التصنيف ..
وللتوضيح أكثر ، فإننا نفرط في تصنيفنا للآخرين على جميع الأصعدة وخاصة على الصعيد الفكري والمذهبي .. والعرقي وغيره لهم نصيب ..
وهذا الداء المنتشر فينا يطال كل المجددين في أمور دنيانا وديننا .. فتجدنا لا نسمع ولا نعي ما يقولون ، ولا نهتم بما لديهم من علم وسعة أفق ، بقدر ما نهتم بتصنيفهم : هذا علماني ، هذا ليبرالي ، هذا سلفي ، هذا مستشرق ... إلخ من التصنيفات العجيبة التي لا تقدم ولا تؤخر . وهذا الاتجاه أدى بنا إلى تعطيل عجلة الحياة كثيراً وتعطيل تطويرنا لذواتنا ولطريقة معيشتنا لأن بعضنا لا يتبع بعضاً مادام قائد الفكرة أو قائد الاتجاه ليس على مذهبه أو فكره ، حتى ولو كانت الفكرة أو الاتجاه لا تخالف شرعاً ولا ملة !!!

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، تصنيف الأستاذ أحمد الشقيري - بكل ما يقدمه - على أنه علماني !!! فتجد معارضيه لا ينظرون لما أجاد فيه وأثبته من صحيح الكتاب والسنة وأقره عليه علماء أجلاء ، بل ينظرون لسقطاته وهفواته ، ويصرون أنه مادام قد أخطأ في قول أو فكرة فإنه يجب رفضه كلياً ، و رفض كل ما يقوله !! وهذا تعطيل لكثير من الأمور الجديدة والأفكار اللامعة التي لا تخالف شرعنا ولا عاداتنا !! ومثله الأستاذ عمرو خالد ، وغيرهما ..

وعلى الجانب الآخر ، تجدنا فرطنا في ثقافة الاختلاف فلم نعمل بها ، بل ولا نعرفها أصلاً ! فلا نستطيع أن نتقبل اختلافاتنا الفردية والجماعية والمذهبية والفكرية ، ولا نفهم أن لكل شخص ميوله واعتقاده وفكره المختلف عن الآخرين . بل إن الأخوين في بيت واحد بتربية واحدة لهما تفكيران مختلفان يعتنقانهما . نسينا أن الاختلاف رحمة ، وأن الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة اختلفوا مذهباً وفكراً ، ولكن لم يعب بعضهم على بعض ، ولم يتنقص بعضهم من قدر بعض ، وكانوا يأخذون العلم عن بعض ، فاختلفوا مذهباً ولم يختلفوا اتجاهاً .

بدلاً من إضاعة وقتنا في تصنيف بعضنا ، والبحث عن هفوات إخواننا وأصدقائنا وأزواجنا ، فلنفهم أولاً أن كلاً منا يختلف عن الآخر في تربيته وتفكيره وأسلوبه ، ولو كنا في نفس الدولة وعلى نفس المذهب ونفس العادات والتقاليد .
ولنفهم بعدها كيف نتقبل الآخر باختلافاته ، وأنه وإن اختلفنا مع شخص ما ، فهذا لا يعني بالضرورة أن أحدنا على خطأ والآخر على صواب ، بل قد يصح أن كلينا على صواب أو كلينا على خطأ . ولنتعلم بعدها كيف نمسك العصا من منتصفها ، وكيف نقبل بأنصاف الحلول مادام الحل لا يقض عرى الدين أولاً ولا العرف ثانياً .
لن يتبقى وقتها سوى أن نأخذ ونعمل بكل ما يقوله الآخر مادام مؤصلاً شرعاً بالقرآن وصحيح الأحاديث ، ولننبذ كل ما لا يوافق كتاباً ولا سنة ، دون أن يفرقنا الخلاف على الاختلاف أو يشحننا بالسوالب . أو مادام الأمر لا يخالف العرف ولا يقلل من كرامة الشخص (في الأمور غير الدينية) .

ولا أنسى أن أنوه بأن الناس في اختلاف نقاشاتهم قد تجدهم متسلحين بأدلة صحيحة وثابتة ومنطق مقنع ، ومع ذلك قد يكون رأيهم خطأ ، أو استدلالهم ليس في محله ، أو تكون الآية منسوخة حكماً ! خاصة لمن يستدل بآية أو شطر آية ولايكمل باقي الآية أو لا يلقي بالاً لسياق الآية وماقبلها ومابعدها من الآيات ، وكذلك من يستشهد بشطر حديث ولا يكمل باقي الحديث الذي قد يهد رأيه من أساسه .

سؤال : إذا كان الله قد قبل لنا الاختلاف في أعظم أمور الحياة وعمودها وهو الدين ، أفلا نقبل على أنفسنا اختلافنا عن الآخرين واختلاف الآخرين عنا في أمور الحياة ونظرتنا المختلفة لها ؟!

الخميس، 20 أغسطس 2009

كتف لوحة

يأبى النوم أن يزورني الليلة .. وموج رقيق من أفكار متفرقة يعتريني الآن .. موج به مسحة من حزن ومسحة من صمت ومسحات من نظرات تأمل ..

أعيد الآن ترتيب بعض أوراق قرارت سابقة اتخذتها في حياتي .. وللمرة الأولى أنتبه أن بعض هذه القرارات تم اتخاذها على عجالة من أمرها ، وأمري .. فظلمت نفسي وظلمتها ، وظلمت كل من يرتبط بهذا القرار بسرعة اتخاذه ..
وبعض القرارات بعد التفكير فيها الآن ، أجدني قد أنصفت ، ورافقتني غمامة من حكمة أثناء اتخاذها .. وللمرة الأولى - ربما - أتحقق من صحة مقولة قالها لي أحد المازحين مرة ، ووجدتها الآن حقيقة .. ألا و هي : من الحكمة أن تبتعد أحياناً لترى بشكل أوضح !

الآن .. وبعد أن ابتعدت عنهم وعن أشيائهم ، وابتعدوا عني وعن مساءاتي .. أجدني أرى بوضوح أكبر ، تفاصيل لم أرها في حينها .. والآن عرفت لماذا يبتعد الرسام عن لوحته لينظر إليها من بعيد ! فهو يريد أن يرى التفاصيل .. كل التفاصيل .. وكلما اقترب من لوحته ، كلما قلـّـت التفاصيل التي يراها ، وكلما غابت عن ناظريه تفاصيل أكثر وأعمق ، وربما أهم ! ولهذا يبتعد .. ولكن ، هل لهذا ابتعدوا ؟؟؟؟

هكذا علاقاتنا الإنسانية .. نقترب من بعضنا حدّ الالتصاق .. نبحث في أعماق بعضنا عن تفاصيل تشبهنا .. عن رائحة مريحة ، كرائحة قهوة .. عن دفء أحضان تحتوينا .. ونبالغ في بحثنا عن أدق تفاصيل اللوحة ، ونبالغ في بحثنا عن أفضلها وأقلها شوائب ! حتى إذا وجدناها اقتربنا منها أكثر ، فلا نعود نرى سواها .. فنذوب فيها عشقاً وهياماً .. ونغفل التفاصيل الأخرى العارية .. الواضحة العري .. عديمة اللون .. عديمة الرائحة .. عديمة الدفء ! ونطمع أن يكون تفصيل واحد طاغياً على كل التفاصيل ..

وفي لحظة من لحظات صدمة عاطفية .. نبتعد لالتقاط أنفاس مقطوعة من لهاث ركض وراء ظل لا صاحب له ! وحين نبتعد وننظر للوحة ، تفاجئنا تفاصيل باهتة .. ويفاجئنا ألا شيء جذاب في اللوحة سوى تلك البقعة الساحرة التي جذبتنا .. ولا يفاجئنا غبائنا باستغباء أنفسنا وتحاشي النظر للوحة كاملة منذ البداية !!

ومايفطر القلب ألا وقت للنظر في لوحة جديدة ، أو التعمق في تفاصيل جديدة .. فلا قوة على الوقوف .. ولا قوة على النظر .. ولا قوة على الشم .. ولا قوة على الثقة .. ولا قوة على الاحتضان .. ولا قوة على الخوف .. ولا قوة على التفكير .. وتصبح جميع أجزاء الجسد خاوية ميتة .. فلا تغرينا أجساد ولا أرواح .. ولا نعود نبحث بعدها عن عطر يأسر الإحساس .. أو صدر يخبيء الدموع .. أو شفتين ترويان عطش الطريق .. وتجف آبار عطائنا بعد أن يمتصوا رحيق حناننا .. ولا يعود لنا من همّ سوى البحث عن جزء واحد في الجسد ........ كتف .. كتف فقط نستند عليه لنقف من جديد .. ووقتها لا يغدو لأي شيء قيمة .. لا لفتات قلوبنا .. ولا لشتات أرواحنا .. ولا حتى للوحة علاقاتنا الباهتة ..

إلى أناس مروا من هنا ، ولم يتركوا سوى غبار ذكرى أصاب إحساسي بزكام حاد : "ليه كذا ليه وش سويت لك ؟؟ اللي حبيته لعمري .. ياعمري .. حبيته لك !"