الاثنين، 9 يوليو 2012

في بيتنا مغرد

كانت أم وليد تغلي غضباً وهي ترمق أبو عيالها بنظرات نارية ، مبدلةً النظر بينه وبين ساعتها ، لتحسب له أكثر من ساعتين وهو مطأطيء الرأس محدق النظر في شاشة جواله الذكي دون أن يتحرك!
وبنبرة حادة: أبو وليد ...
أبو وليد: .......
كررتْ بصوت مرتفع غاضب: أبو ولييييد
أبو وليد (رافعاً رأسه متفاجئاً): ها .. ها .. وش عندك؟!
قالت هادرة: أنت ولا كأن أحد عايش معاك .. طول اليوم وأنت مبحلق في جوالك ولا تطالع في عيالك ولا تتكلم معهم .. وش عندك بالضبط .. لك فترة على هالحال!

ابتسم أبو وليد قائلاً: تعالي تعالي شوفي بالله هالهاشتاق يموت ضحك .. والله عالم محششة!
رفعت حاجبيها مغمغة: هاشـ ايش ؟! ايش تقول ؟!
قال: تعالي تعالي أعلمك على تويتر .. والله ياهو فلة ويضيع الوقت .. شوفي شوفي .. هنا الناس اللي يتابعوني وهنا الناس اللي أتابعهم وهنا الـ ...
قاطعته متسائلة في غضب: ومين ماشاءالله كل هالبنات ؟ هذا موقع زواج وتعارف ؟؟؟ هذي آخرتها يبو وليد هـ ...
قاطعها: يابنت الحلال أي زواج وأي خرابيط .. هذا شي عادي .. تويتر عالم مفتوح .. كل واحد يتابع اللي يبيه حسب اهتماماته وحسب الشي اللي يلاقيه عند اللي يتابعهم.
سألت وعينيها تتغرغر بالدموع: وش عندهم هالبنات شي مالقيته عندي ؟! آه يالزمن ...

أنقذ نفسه من مسلسل (الزمن غدار) الذي كادت أن تبدأه أم وليد مقاطعاً: يابنت الحلال هذا صار شي عادي مجرد قراءة ووناسة ومتابعة لكن انتي الحلا والغلا وأم العيال وسوالف العصر والليل .. وتالي الليل ... وغمز لها غمزة ذات معنى.
احمرت وجنتا أم وليد خجلاً ، واستغل هو الفرصة قائلاً: خلنا نتعشى وأعلمك عليه.

في مساء اليوم التالي ، تفاجئت أم وليد بزوجها يدخل مغضباً مكفهر الوجه أحمره ، صائحاً: انتي ماتستحين على وجهك .. وش يقول عني الرجّال ؟؟ وش يقولون عني في المسجد والحارة ؟؟ ياللي ماتستحين .. ياللي مخك ضرب .. كبرتي وخرفتي ..
أم وليد: وش فيه ؟؟؟؟! وش صار؟!
أبو وليد: ليش مسوية فولو لجارنا أبو محمد ؟
وهي تستعيد حوار اليوم السابق ، لم تنبس أم وليد ببنت شفة ..

الخميس، 26 يناير 2012

دعوة في زجاجة

كادت الشمس تغرب .. وهما يمشيان برومانسية على ساحل البحر .. يلقي بذراعه على كتفها ويحتويها كطفلة .. وهي تلف ذراعها حول خصره بدلال .. يتبادلان الهمس والضحكات والقبلات الخاطفة .. كان ينظر إليها بشغف وحب شديد ، وهي تخبره كم تتمنى طفلا ً منه .. يشبهه .. كي تشمه وتقبله وتتأمله في لحظات غيابه هو .. كانا يراجعان تفاصيل حياتهما معا ً .. سيارة المستقبل .. البيت وأثاثه وألوانه .. وحتى أسماء أطفالهما الذين مازالوا في علم الغيب .. و ... ظهرت تلك الزجاجة على طرف الساحل ، بعد أن ركلتها موجة خفيفة ، لتستلقي على مرأى منهما ، يداعبها الموج ..

هرولت قافزة نحو الزجاجة وهي تهتف فرحة : "يارب يكون فيها رسالة .. زي الأفلام "
ساعدها في إزالة طحالب من عنق الزجاجة بعد فتحها ، وأخرجوا ورقة قد تغير لونها وريحها جراء رحلتها الطويلة – ربما – عبر البحار .. تسارعت أنفاسها وهي تفض الرسالة بسرعة وفضول ، وحذر ، حتى لا تتمزق .... ووجدت حروفاً تكاد تذوب ولا تكاد تـُـقرأ ....... وبدأت تقرأ ..

"حبيبتي ..... أود أن أناديكِ باسمك .. ولكن يعجز لساني عن نطقه وقد كرهته أكثر من نفسي .. ولا تسأليني حتى لمَ أناديكِ بـ "حبيبتي" .. لا أدري ماذا أقول ولا من أين أبدأ .. لا أدري حتى لمَ أكتب هذه الرسالة ولمن !! ما أعرفه أن لا أحد يسمعني ، وأن هذا متنفسي الوحيد كي لا أموت هماً وكمداً .."

"حبيبتي .. أكرهكِ وأشتهي وصلكِ .. على أنه لم يعذبني أحد سواكِ .. إلى الآن لا أعلم لمَ تركتني !! لمَ تجاهلتني !! أين ذهبت سنين الانتظار وليالي الشوق والعذاب ؟! أين ذهبت وعودكِ لي بألا تكوني لغيري ؟! إلى الآن أبحث عن خطئي الذي تركتني من أجله ، والذي لا أعلم ما هو !! إلى الآن أحمّل نفسي ما لا أطيق من العذاب ، وألتمس الأعذار لكِ ولحبكِ لي ، كي أكون مذنباً في قضيتي معكِ .. وتكونين أنتِ الحمل الوديع الذي تربص به الذئب ، ولكنه أفلت منه .. إلى الآن لم أفهم معنى آخر كلماتك لي ، بأنكِ لم تعودي تشعرين بي ولا بحبي !! ولم يعد هناك ما تقدمينه لي .. وأن اهتمامكِ بي قد توقف !! خاصة وأنكِ لم تذكري سبباَ .. هل يبدأ الحب فجأة وينتهي فجأة ؟؟ هل يفقد الإنسان إحساسه بإنسان فجأة ؟؟ هل فقدتِ انتمائكِ لي فجأة ؟؟ هل تتبخر الوعود فجأة ؟؟ لا أفهم .. لا أفهم !! وأكثر ما لا أفهمه هو لماذا مازلتُ أحبكِ بعد هجركِ لي !! هل كنت مرحلة في حياتكِ انتهى وقتها ؟! هل كنت لعبة مللتها أو وردة فقدت رونقها ، وآن أوان غيرها ؟! سنة وشهر مرت على آخر مكالمة بيننا ، ولا زلت أذكركِ وكأنه الأمس !! وبما أنكِ الصديق الوحيد الذي أعرفه .. والقلب الوحيد الذي ما زلت أستأمنه ، فدعيني أخبركِ بما حصل لي في هذه الأشهر .."

"حبيبتي .. بعد أن كنت لا أعرف إلا طبيب الأنف والأذن والحنجرة ، تعرفت أخيراً على عيادة وطبيب الأمراض النفسية .. وبعد أن كنت أرفض الدواء بأنواعه ، أصبحت لا أنام إلا بمهدئات .. وعرفت الآن فقط لماذا فقد قيس عقله أمام ليلى .. أصبحت أعرف تفاصيل الأرصفة وأنوار الشوارع وزجاج المحلات والسيارات .. لأنني أبحث عنكِ في كل مكان على أمل أن أجدكِ .. حبيبتي .. لا أخبركِ بهذا كي أثير شفقتكِ ، بل لأنني أدركت أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب .. وقد قررت أن أدعو عليكِ .. فإذا أجيبت دعوتي ، وندمتِ على ما فعلته معي .. وقتها ستبحثين عني في كل مكان ، وفي كل حبة مطر ، وتحت كل ذرة رمل .. وقتها فقط تذكري عذابي ، وابكِ إن كان ينفعكِ البكاء .. ابكِ حتى لآخر دموع مقلتيكِ .."

"حبيبتي .. دعوتي الأولى أن ينسيني الله إياكِ ، وأن يرزقني بقلب أطهر وأفضل منكِ .. وحب جديد يكون أقوى من حبي الأول ، كي يشفيني الله منكِ ويستخرج سمّكِ من جسدي وروحي .. وكي أؤمن بأن الحب الآخر قد يكون أقوى من الأول .. ودعوتي الثانية .. أن تصلكِ رسالتي هذه وأنتِ مع حب جديد .. في لحظة غروب شمس .. تتهاديان على شاطئ بحر .. وأنتِ تلقين على مسامعه نفس وعودكِ لي .. وأنتِ تخبرينه كم تشتهين طفلاً منه .. يشبهه .. كي تشميه وتقبليه وتتأمليه في لحظات غيابه هو .. فتقرأن رسالتي معاً ، فتنهار كل أحلامكِ ، وأحلامه .."

التوقيع : محب سابق

الثلاثاء، 9 فبراير 2010

الذاكرة : التنويم الرقمي المغناطيسي (5)

استخدم السحرة قديماً التنويم المغناطيسي لإيهام الناس برؤية ما لايرونه ، وسبر أغوار عقولهم وأسرارهم . ومع اهتمام العلم والعلماء بالتنويم المغناطيسي أخذوا في تحليله ودراسته ووضع قواعده وأسسه للإفادة منه إلى أقصى حد .
وقد وصل النازيون إلى مراحل متقدمة جداً في هذا المجال إبان الحرب العالمية الثانية ، حيث الهدف هو رفع كفاءة المقاتلين ، وتلقينهم لغات أخرى ، ودفعهم للقيام بعمليات انتحارية لا يدركون مدى تهورهم فيها !
وقد نجحت فكرة تعلم لغة جديدة تحت تأثير التنويم المغناطيسي نجاحاً باهراً . حيث استوعب المنوَّم في ساعات تحت التنويم مايحتاج إلى أسابيع من الدراسة الجادة المتواصلة في حالة الوعي الكامل !! كما نجحت فكرة رفع كفاءة المقاتلين .... لكن لم تنجح فكرة دفع الجنود للقيام بعمليات انتحارية !!! فلسبب غامض ، كان التنويم عاجزاً عن دفع المنوَّم للقيام تحت تأثير التنويم بما يخالف معتقداته ومبادئه في اليقظة !
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، اكتشف الحلفاء طريقة النازيين في تلقين وتدريب جنودهم بالتنويم المغناطيسي ، وكيف استخدموها أيضاً في دفع الأسرى للاعتراف تحت تأثير التنويم .

من هنا بدأ المجال يتسع ليشمل جميع المجالات . فكان أول من استخدمه الأطباء النفسيون ، لعلاج مرضاهم عن طريق العودة لماضيهم ، وكشف سبب عقدتهم ، ومن ثم العمل على إزالة هذه العقدة . وكان الأسلوب المستخدم في هذه الفترة هو نفس الأسلوب الذي نراه في الأفلام السينمائية ، وهو تحريك ساعة أو بندول أما الشخص المستهدف بإيقاع منتظم ، والتحدث بنبرة صوت معينة في ظروف معينة .... وهذا كله جعل الأمر ناجحاً عند بعضهم وغير نافع عند الآخرين ، حيث يحتاج هذا النوع من التنويم إلى مواصفات محددة في المنوِّم للسيطرة على المنوَّم ، فكان لابد من وجود وسيلة موحدة لجميع المنوِّمين لتحقيق التنويم المغناطيسي الكامل على أي شخص يتم اختباره .

مع دخولنا عصر الحواسيب ، لم يكن من الممكن ألا نستفيد من وجوده في شتى المجالات ، وخاصة في مجال ثري ومثير كالتنويم المغناطيسي . لذا قام مجوعة من المبرمجين بتنفيذ وتطوير مجموعة برمجيات تتيح للمنوِّم - مهما كانت خصائصه الشخصية - أن يحقق التنويم الكامل للشخص الهدف ، مما جعل العلم يقفز قفزات واسعة في هذا المجال . وكل يوم تتطور البرمجيات وتظهر غيرها ، وتظهر نتائج مثيرة ومبهرة أمام العلماء تجعلهم يؤمنون بأن العقل البشري يوقظ كل خلاياه النائمة ، ويدفع بكل خلاياه الرمادية للعمل في آن واحد . تماماً كأنك دخلت لإحدى غرف منزلك التي تحوي مئة لمبة في سقفها ، وبدلاً من أن تضيء لمبة واحدة فإنك تضيء الأنوار كاملة ، مما يجعل الاستفادة بكل ذرة في عقلك تصل ذروتها .

شهود الجرائم تمكنوا من الوصول لمرحلة تذكر وصفاء عقلي هائلة بعد إخضاعهم لجلسات تنويم مغناطيسي برمجية ، فقد تذكروا تفاصيل دقيقة جداً ، كلوحة سيارة ، أو خدشاَ بسيطاً في يد القاتل ، أو كلمة قيلت ولو بلغة أخرى لا يعرفها الشاهد . والأهم أننا نستطيع من خلال هذه العمليات استعادة الذاكرة الموروثة للآباء والأجداد وإن بعدوا . وهذا لا يحدث في كل الأحوال ، ولكنه حقق نتائج إيجابية في سبع عشرة في المائة من الحالات الخاضعة للتجربة . وهذه نسبة كبيرة ، خاصة وأن العلماء مقتنعون بأن برمجيات التنويم المغناطيسي لم تتطور بالقدر الكافي بعد .

العقول بعد ربع قرن من الآن ستختلف تماماً عن عقول الحاضر ، ووسائل زرع المعلومات تحت تأثير التنويم المغناطيسي ستتطور كثيراً ، حتى أنا شاباً في العشرين سيكون لديه خمسة أضعاف علوم ومعارف آلبرت آينشتاين ، وصبيٌ في الخامسة من عمره سيجيد ما لا يجيده جده العجوز ، وسيصبح العالم عالم العقول فقط . وقد بدأت بعض الدراسات والأبحاث حول إمكانية استبدال التعليم الحالي بجرعات تعليمية أو كبسولات تعليمية تـُـلقـَـن تحت تأثير التنويم المغناطيسي ، ليستيقظ بعدها الشخص وقد تعلم في ساعات ما لن يستطيع تعلمه في شهور من الدراسة المكثفة . وبالتالي يمكن الاستفادة القصوى من طاقات الشباب وتلقينهم بالضبط العلم الذي سيستخدمونه في حيواتهم العملية .

ولكن كثيراً من العوائق تقف أمام قرار صعب وشائك مثل هذا القرار . من هذه العوائق سؤال هام ، ماذا لو استحوذت دولة بذاتها أو حلف من الدول على هذا العلم بحيث تعطيه لمن تشاء وتحرم آخرين منه ؟ أو بمعنى آخر تعطي الصلاحية لنفسها في تعلم ماتشاء من العلوم المتقدمة ، في الوقت الذي لا تسمح لدول أخرى سوى بتعلم الزراعة البسيطة أو بتعلم النجارة مثلاً ؟ تماماً كما تسمح حالياً بعض الدول المتغطرسة لنفسها بالتسلح النووي ، وتحظر الآخرين عن ذلك !! قد يتم بقرار مثل هذا استعباد عقلي عالمي دون إراقة قطرة واحدة من الدماء . وفي الوقت الذي سيتمتع صفوة من الناس بخيرات العالم ، ستجد آخرين تم تلقينهم على البلاهة و الطاعة العمياء يعملون من أجل الصفوة ومن أجل زيادة ثرواتهم !!!

العقل البشري لا حدود له ولطاقاته ، وأول قاتل لهذا العقل هو أن تحرم نفسك من الإيمان بقدراته ، أو أن تحصر إيمانك بقدراته في حدود ثقافتك وعلمك . وإذا كان الجسد لا حدود لقدراته - والدليل أن الأرقام القياسية في الألعاب الأولمبية يتم كسرها في كل دورة - فإن العقل أولى أن يكون جباراً أمام حدود الجسد . وحصر الإيمان بالأشياء في حدود العلم القاصر والثقافة المحدودة هو الذي أخرج كثيراً من أرباب الديانات الفاسدة من عبادة رب العباد إلى عبادة العباد . ولولا عظيم صنع الله في خلق العقل ، لما استطاع أن يهزم أعظم حواسيب العصر ، والذي يقوم بملايين العمليات والاحتمالات الحسابية في الثانية ، في لعبة الشطرنج . وهذ مثال صغير فقط عما يستطيع العقل البشري فعله .
الموضوع يحتاج إلى إيمان .... إيمان قوي بقدرات هذا العقل ، وبعدها سيكون التطوير والتسليح العقلي من أسهل مايكون .
فسبحان الله العظيم ..
ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ..

تمت بحمد الله

الخميس، 28 يناير 2010

الذاكرة : ذكريات آدم - عليه السلام - (4)

إلى جانب صعوبة وتعقيد إجراء التجارب على البشر ، فإنها تحتاج فترات طويلة تمتد لسنوات لرصد وتحليل النتائج . بعكس الحيوانات سريعة التكاثر ، مثل الفئران وخنازير غانا ، وخاصة في تجارب الذاكرة .
فقد ثبت توريث الذاكرة في الطيور بنسبة سبعين بالمئة ، حيث يخرج الكتكوت من البيضة إلى مصدر الغذاء مباشرة ، دون تعليم أو توجيه ، بينما ثلاثين بالمئة يكتسبها مع العمر والخبرة . والحيوانات تتوارث الذاكرة بنسبة ستين بالمئة ، بينما الأربعين بالمئة المتبقية تكتسبها مع الخبرة . بينما مع الإنسان يصعب الانتظار لعام أو عامين على الأقل لنرى نتائج الذاكرة الموروثة !
فخلص العلماء إلى اقتراحين يستطيعون من خلالهما دراسة ذاكرة البشر . أول الاقتراحين أن يتم مقارنة أمخاخ الحيوانات بالبشر لمعرفة الأثر الوراثي لكل منهما ، وهذا صعب - بل شبه مستحيل - لجهل العلماء بتركيب المخ في الحيوانات والبشر ، إلى جانب عدم وجود مراكز محددة للذاكرة . والاقتراح الآخر هو التنويم المغناطيسي ، حيث يتم تصفح عقل وذكريات المنوَّم مغناطيسياً واستخراج ما كمن في ذاكرته . وتم الاستقرار على الاقتراح الثاني .

فريق من المتطوعين تم إخضاعهم للتنويم المغناطيسي ، وطلب منهم المنوم العودة إلى الماضي ، إلى أقصى نقطة يستطيعون العودة إليها . وتحت تأثير التنويم غاص المتطوعون في أعماق ذكرياتهم التي لم يكتسبوها في حياتهم ، وظهرت النتائج بشكل مبهر لم يخطر ببال أكثرهم تفاؤلاً !!
المتطوعون عادوا بذاكرتهم إلى أيام طفولتهم الأولى ، بل تخطوا ذلك إلى ذكريات الرحم منذ تكون المخ وسجل كل ما مرّ به !! ثم فجأة تم تجاوز كل هذا لنقطة لم يتوقعها أحد .......... لقد بدأ بعضهم يتحدث بلغات غريبة لم يتعلمها في حياته قط ، وبعضهم تحدث بلسان يخالف عمره وطبيعته وجنسه !
متطوعة بريطانية ، تحدثت بلسان جندي فرنسي من جيش نابليون بونابرت(1) ، في الوقت الذي أكد فيه كهل أمريكي بأنه صبي هندي مات في صغره !!!
وانحنى العلماء يدونون ويحللون كل ماسمعوه وشاهدوه ، في محاولة للفهم .... وخلصوا أن الأمر يتعدى مرحلة الذاكرة الموروثة إلى مرحلة الترانزستور(2) !!!

بالعودة إلى فكرة تناسخ الأرواح ، نجدها نشأت من كون بعض الناس بدأ يستعيد فجأة بعض الذكريات الغريبة من قبل مولده ، ذكريات تنتمي إلى عالم آخر وجنس آخر !
وأول من رصد هذه الظاهرة هي المعتقدات الهندوسية والكونفوشيوسية(3) ، وفسرتها بأنها تناسخ أرواح(4) . وإن كانت الفكرة غير مقبولة إسلامياً ولكنها مقبولة في بعض الديانات الأخرى . وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي قام العلماء بتجارب خاصة تستخدم التنويم المغناطيسي لإعادة الإنسان لأقدم ذكرياته .
كان الهدف وقتها هو الوصول بذاكرة الإنسان إلى مرحلة النمو في الرحم ليصف مشاعره وأحاسيسه في تلك المرحلة . لكن النتائج جاءت مفاجئة ، حيث انتقل المتطوعون إلى ماقبل الرحم !!!! قبل ولادتهم بأيام ، وسنوات .... بل وقرون !

بعض الخاضعين للتنويم عادوا بذاكرتهم مائة عام إلى الوراء ، وتحدثوا عن أمور بتفاصيل شديدة الدقة ، اندهش العلماء عندما تأكدوا من صحتها بعد البحث ! وبعضهم عاد إلى ماض سحيق وتحدث بلسان امرأة ، وأخبرهم بأنه تم إعدامه ضمن محاكم التفتيش !!
ووجد العلماء أنفسهم أمام حالة لم تسجلها مراجعهم ، حالة وصفوها بأنها نوع من تناسخ الذكريات .... وفي مرحلة ثانية جاء من يربط هذا بتناسخ الأرواح ، وإن كانت الفكرة غير مقبولة دينياً وعقلياً !!!
وفي الوقت الذي بدأ بعض العلماء يبحث عن مرجعية دينية للأمر ، ظهرت على السطح فكرة الاتصال العقلي المخي المشترك ، حيث كشف العلماء أن عقول البشر جميعهم تشترك في شبكة معلومات واحدة ، وأن مايعرفه شخص ما ، قابل جداً للانتقال إلى الآخرين لو تم تحفيز الجزء المناسب من المخ ! ولو أضفنا نظرية الذاكرة الموروثة ، فسنجد أن محصلة أو مجموع أمخاخنا تحوي تجاربنا وتاريخنا منذ بدء الخليقة .... منذ آدم عليه السلام !

حين نخضع شخصاً للتنويم المغناطيسي ، فإننا نوقظ في أعماق مخه شبكة الاتصال بالآخرين ، ونستخرج كل ذكرياته الموروثة ، وتلك المكتسبة والتي نسيها بتقدم عمره وبإهمالها ، وإن كان قد سمعها عـَـرَضاً ، ولو بلغة أخرى !
بمعنى أدق ، بتنويمنا شخصاً ما مغناطيسياً ، فنحن نحول عقل المنوَّم إلى أرقى وأدق واصفى جهاز استقبال عقلي ، لا يستخرج المخزون في ذاكرته فحسب ، بل يستقبل ماتختزنه عقول من حوله في مدى معين !

وهنا واجه العلماء تساؤلاً خطيراً ....
إذا كان التنويم يجعل من أمخاخنا أجهزة استقبال فائقة التردد ، فماذا عن الإرسال ؟؟
وبدأت تجارب من نوع آخر ....

(يتبع)
______________________
(1) نابليون بونابرت: قائد عسكري فرنسي عاش قبل أكثر من مائتي سنة . لمزيد من المعلومات يرجى زيارة الرابط : http://ar.wikipedia.org/wiki/نابليون_بونابرت
(2) الترانزستور: أشباه موصلات أحدث اختراعها ثورة في عالم الحواسيب
(3) الهندوسية والكونفوشيوسية: عقائد شرقية
(4) لمزيد من المعلومات عن تناسخ الأرواح يرجى الرجوع لمقالة الذاكرة : تناسخ الأرواح (2)

الاثنين، 25 يناير 2010

الذاكرة : شبكة المعلومات العقلية (3)

عندما يقوم كل فرد وكل مجموعة رسمية وغير رسمية على هذا الكوكب بإضافة أفكاره ومعلوماته إلى شبكة الانترنت ، تصبح تلك المعلومات متاحة لجميع مستخدمي الشبكة ، مما يعني أن هذه المعلومات الفردية من العقول الفردية كونت فيما بينها شبكة هائلة لا حدود لها لأنها تتسع كل يوم .
وكذلك الاتصالات عبارة عن شبكة واسعة تربطها الأقمار الصناعية ، مما جعل اتصال شخص من ساحل العاج بصديقه في جزر الواق واق أمراً أسهل من شرب الماء .
وما أثبته العلم مؤخراً أن عقولنا - عقول البشر - تصنع فيما بينها شبكة عقلية معلوماتية بلا حدود .. فكل منا - مهما كانت قدراته - لديه القدرة على قراءة عقول الآخرين ، واكتساب الخبرات منهم ، والاستعانة بتجاربهم ، وتبادل التحذيرات والمعلومات معهم !

هناك العديد من السمات البشرية التي أخمدها التطور وقضت عليها حضارة البشر في العقول البشرية . فالإنسان القديم مثلاً كانت لديه القدرة على تحريك صماخ الأذن نحو مصادر الأصوات ، وكانت هذه قدرة معتادة حتى لم يعد الإنسان يحتاج إليها لعدم خروجه للصيد إلا للتسلية ، فضمرت تلك السمة إلا من عدد محدود من البشر .
وكل الناس - تقريباً - قديماً كانت لديهم غريزة التنبؤ بالخطر ، إلا أنها ضمرت كسابقتها مع تطور وسائل وأجهزة الأمن والحماية ، ولكنها تظهر في مواقف متفرقة ، كجزع الأم المفاجئ على ابنها الذي يبعد عنها آلاف الأميال عندما يصيبه مكروه ، وكحادثة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع سارية ، وهذا ينطبق أيضاً على شبكة المعلومات العقلية أو المخية .
فقديماً كان أفراد القبيلة الواحدة يشعرون ببعضهم بعضاً ، ويمكن لكل منهم قراءة أفكار ومعلومات ومخاطر الآخرين دون الحاجة إلى الحديث . ولازلنا نرى مثل هذه المشاهد في السينما الأمريكية ولا نستغربها !

إذاً المخ البشري يحوي وسيلة اتصال بأمخاخ الآخرين ، ولكن هذه السمة ضمرت مع التطور والحضارة . وبالمعنى العلمي : نحن نولد بهذه القدرات ، ولكننا نفقدها مع الزمن وفقاً لنظرية داروين التي تنص على أن : "العضو المستعمل ينمو ، والعضو المهمل يضمر" ويماثلها : "القدرة المستعملة تنمو ، وغير المستعملة تضمر" .
ويعني هذا أنه بعد عام أو اثنين من الولادة ، ومع عدم تنمية قدرة الاتصال العقلي ، يفقد الإنسان هذه السمة ، فلا يعود يتذكر بعدها طبخاً ولا قيادة سيارات ، ولا حتى يصبح قادراً على التواصل العقلي !!!
والحل الوحيد لهذه المعضلة هو تنمية هذه القدرات منذ الولادة .. وقد كان !
فقد لاحظ العلماء أن التوائم المتماثلة ، والأطفال الذين يولدون في مكان واحد ، يمكنهم التواصل دون أن يتخاطبوا ، بل حتى قبل أن يمتلكوا القدرة على الكلام ، ودون حتى أن تتطور لغتهم ! وبدأ العلماء تجاربهم من هذا المنطلق .

ترك العلماء مجموعة من الصغار يتواصلون ويتحدثون ويتشاركون معلوماتهم بعقولهم ، في بيئة مدروسة وراقية ، حتى بلغوا الثالثة من العمر .. وكانت النتائج مدهشة !!
الصغار طوروا فيما بينهم شبكة معلومات عقلية أصبحوا يتواصلون من خلالها دون الحاجة إلى التخاطب . ففي حجرة منفصلة وضع أحد العلماء طفلاً وأمامه عدة أشكال من بينها مكعب أحمر . وما أن لمس الطفل هذا المكعب حتى سرى في جسده تيار كهربي مدروس جعل الطفل ينفر منه ولا يلعب به .
وبعدها أحضروا طفلاً آخر ووضعوا أمامه نفس الأشكال ، فلعب بها كلها سوى المكعب الأحمر . على أنه لم يلتق الطفل الأول الذي تم وضعه في حجرة خاصة !! وتكرر الأمر مع الطفل الثاني والثالث والرابع .... وتكررت التجربة للمرة الثانية والخامسة والعاشرة ، وكانت النتيجة واحدة .. جميع الأطفال بعد الطفل الأول لم يلعبوا بالمكعب الأحمر ، وأبدوا تخوفهم منه عندما تم إجبارهم على اللعب به !!
وكانت النتيجة واضحة .
الطفل الأول نقل جميع خبراته ومعلوماته إلى عقول الأطفال الآخرين دون حتى أن يلتقي بهم ، عبر شبكة عقلية غير مرئية فائقة التردد !

وكان من الممكن أن تستمر مثل هذه التجارب ، لولا تدخل منظمات الطفولة ومنعها إجراء التجارب على الأطفال . ولكن العلماء كانوا قد وصلوا إلى مرحلة أثبتوا فيها وجود هذه الشبكة العقلية ، وبدأوا في دراستها وتطويرها بالفعل ، وكان لهذا الفضل - بعد الله سبحانه وتعالى - في تفسير كثير من الظواهر التي عجز العلم عن تفسيرها لسنوات ، وأهمها فكرة تناسخ الأرواح ، والتي توصل العلماء لحقائق عجيبة عنها ، قد لا تقرأها أو تسمع بها حتى في أعظم روايات الخيال العلمي تفاؤلاً وجنوناً .
(يتبع)

السبت، 23 يناير 2010

الذاكرة : تناسخ الأرواح (2)

تناسخ الأرواح فكرة تقول بأنه إذا ماتت الأجساد حلت الأرواح في أجساد أخرى ، بغض النظر عن إنسانية الأجساد أو حيوانيتها ، وقد تكون حشرة أو طيراً أيضاً ، وفقاً لرصيد أعمال المتوفى في حياته السابقة ، فقد يعود في صورة أسد أو ذبابة ليكفر عن أخطائه القديمة والدائمة !! فإذا تساوت الحسنات والسيئات عادت الروح في حياة أخرى - ثالثة - جديدة إنسانية قد تكون في جسد ذكر أو أنثى بغض النظر عن جنس المتوفى في الحياة الأولى أو الثانية .

هذه الفكرة وإن كانت تخالف معتقداتنا كمسلمين ، ولكنها أمر مسلم به عند البوذيين والهندوس ، بل إنها إحدى دعائم معتقداتهم ، ودون الخوض في مناقشات دينية ، يكفي القول بأنهم ما آمنوا بتلك الأفكار عبثاً ، بل لأنهم واجهوا مواقف وأحداث حقيقية - مثبتة علمياً وتاريخياً - صاحبها علم قليل وجهل كثير ، إلى جانب ميل فطري بشري لتصديق الخزعبلات والشعوذة ، فصدقوا تلك الأحداث وفسروها بما يناسب ثقافتهم وعلمهم . ومن تلك الأحداث ذكاء أحد الحيوانات الملحوظ عن كافة بني جنسه ، أو تعلق الحيوان بشخص أو بغضه لآخر دون مبرر ، بل أعطوا أمثلة على إعجاب الإنسان بإنسان آخر أو بغضه له دون مبرر أيضاً ، وتفسيراتهم لا تعنينا - كمسلمين - كثيراً ، كما أنها لا علاقة لها بالنظرة العلمية أيضاً .

النظرة العلمية تؤكد أن الذاكرة التي نحملها في أمخاخنا والتي نحيا بها ومعها لا تختص بنا وحدنا ، بل هي ذاكرة جماعية مشتركة ، توارثناها جيلاً بعد جيل !! وبالتالي فهي عبارة عن عصارة وملخص ذاكرات الأجداد من نسل واحد ، والتي نقلوها إلى الأجيال اللاحقة . وفي كل جيل يتم توريث الذاكرة المكتسبة إلى جانب الذاكرة الموروثة ، فيتم توريث ذاكرة أكبر مع كل جيل ، مما يجعل الأمر أشبه بتوريث مكتبة كاملة من الموسوعات ، مما يعني أن يكون الجيل الجديد أذكى وأمهر وأكثر براعة وحنكة (1) .

وقد أثبت العلم نظرية توارث الذاكرة ، ووضع أسسها وقواعدها منذ بضعة أعوام . ولأن العلم لا نهاية له ، ولأن نهم العلماء لا ينتهي ، فقد استمرت دراسة العلماء للذاكرة وخفاياها وأسرارها وقوتها . وبمصادفة بحتة أثناء الدراسات ، توصل فريق من العلماء لحقيقة مدهشة تـُـعرف بـالذاكرة البشرية التراكمية المشتركة .
وحتى نفهم هذا المصطلح ، لابد و أن نلقي الضوء سريعاً على كيفية عمل شبكات المعلومات والانترنت ، وهي طريقة بسيطة في مفهومها ولكنها معقدة للغاية في تنفيذها .

(يتبع)
______________
(1) نستطيع أن نرى الفرق بين طفل اليوم وبين جيل الأطفال منذ 25 عاماً أو تزيد ، والفرق واضح بين الطفل الذكي اليوم والطفل الساذج سابقاً .

الجمعة، 22 يناير 2010

الذاكرة : تجربة (1)

من عجيب صنع الخالق - عز و جل - هذا المخلوق العجيب المسمى "الذاكرة" . ففعلياً لا يوجد داخل مخ الإنسان مايسمى بمركز الذاكرة ، بل هو تعاون بين أجزاء المخ في آن .. فهناك ذاكرة بصرية ، ومثلها سمعية ، وشمية وغيرها .
فعندما ترى شخصاً تعرفه ، تخبرك الذاكرة البصرية أن هذه هيئته ، والذاكرة الشمية تؤكد أن هذه رائحته ، وهكذا .. وأمام عمل الذاكرة المعقد والمنظم والمدهش ، اكتشف العلماء حقيقة أخرى عن الذاكرة أصابتهم بالذهول ، وقد يكون أهم وأقوى البحوث العلمية في هذا المجال ، بل في كل المجالات على الإطلاق !!!

بدأ الموضوع بتجربة بسيطة عن زوج فئران أطلقها أحد العلماء في متاهة معقدة ، ليرى قدرتها على التعلم والتذكر . وبعد عدة محاولات حفظت الفئران المتاهة ، وأصبحت تقطع الطريق حتى النهاية دون أن تتوقف أو تتردد لحظة واحدة !!
ولأن ذاك العالم يحتاج إلى فئران أكثر في تجاربه ، فقد ترك هذه الفئران تتزاوج لينتج جيلاً جديداً من الفئران الصغيرة .
وذات يوم خطر ببال العالم أن يختبر قدرة الفئران الوليدة على التذكر والتعلم ، فأطلق بعضها داخل نفس المتاهة ، وكانت المفاجأة !!!! الفئران التي لم تختبر هذه المتاهة قط ولم ترها في حياتها ، عبرت المتاهة حتى خط النهاية دون خطأ واحد وكأنها تعرف مسارها مسبقاً ، أو كأنها ورثت ذاكرة أبويها على نحو أو آخر !!
وانبهر العالم وكرر المحاولة مع فئران وليدة أخرى للزوج نفسه ، فعبرت المتاهة من أول مرة بكل يسر وسهولة .. وهنا كرر العالم المحاولة مع فئران تم توليدها من زوج آخر ، فبدت حائرة تائهة لا تعرف طريقها ، ولم تصل خط النهاية سوى بعد ستة محاولات على الأقل !!! ومع تكرار المحاولات بين فئران زوج المتاهة وفئران أزواج أخرى لم تختبر المتاهة كانت النتائج مبهرة ، وكلها تؤكد أن ذاكرة الأبوين انتقلت لصغارهم ، بحيث يتذكرون كل ماتعلمه الأولون ولو على الأقل لفترة من الزمن .

ففي إحدى تجاربه ، اختار العالم فأرين وليدين من جيل حوى ستة فئران وأطلقهما في المتاهة ، فبلغا خط النهاية دون تردد ، واحتفظ بالفئران الأربعة الأخرى لشهر كامل دون أن يجعلها تختبر المتاهة ، ثم جعلها تختبر المتاهة في الشهر الثاني ، فبلغ واحد منها فقط خط النهاية بعد محاولة واحدة ، بينما احتاج الثلاثة الآخرون إلى ثلاث محاولات حتى تبلغها !!
وفي الجيل الثالث لم يجعل نصف الفئران تختبر المتاهة سوى بعد مرور شهرين كاملين ، فلم يبلغوا جميعهم خط النهاية سوى بعد أربع محاولات !!

كل هذا جعل العالم يستنتج أن الجيل الجديد من الفئران يولد وهو يحمل ذاكرة الأبوين ، ثم لا تلبث هذه الذاكرة الموروثة أن تختبئ في ركن مظلم من المخ لتفسح الطريق أمام الذاكرة المكتسبة كلما مر الوقت وزادت الخبرات . والوسيلة الوحيدة للحفاظ على هذه الذاكرة الموروثة هي تنميتها منذ الأيام والأسابيع الأولى للولادة !
وبعد تكرار التجربة والتيقن من نتائجها ، طرح العالم سؤالاً مهماً :
ترى هل تنطبق هذه النتائج على البشر أيضاً ؟؟؟؟
وهنا كانت التجربة مختلفة .....

(يتبع)

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

الأعذار والاعتذار

"لا تتأسف"
"أنا أصلاً ما أزعل منك"
"أنا مو قصدي أخليك تعتذر"
"مافي داعي للاعتذار"

أمثال هذه العبارات نقولها أو نسمعها عندما تكون هناك مشاحنات في العلاقات المقربة . ولا أدري حقيقة هل هذه العبارات صادرة من قلب وبمعناها الذي تقوله حروفها ، أم أنها عبارات من باب المبالغة فقط لا غير !
هل أثناء ارتفاع أصواتنا مع مقربينا لا نهدف فعلاً إلى تبرئة أنفسنا ، وإلقاء اللائمة عليهم ؟؟
وهل لا نغضب فعلاً إذا ما أساء الآخر إلينا ؟؟
أو حتى لو لم يسئ إلينا وأسأنا نحن الفهم ؟؟
هل نحن حقيقة لسنا بحاجة إلى الاعتذار ؟؟

أغلب الظن أننا نبالغ ولا نعبر فعلاً عما نشعر به ! فمن منا ليس بحاجة للاعتذار ؟؟ ومن منا لم يسأل نفسه إذا لم يعتذر الآخر "ليش ما يعتذر ؟" أو "يعني أنا مالي قدر عنده عشان يعتذر ؟" أو "كيف يكلمني وكأن ما صار شي وبدون مايعتذر ؟"

الاعتذار يصفي النفوس ويذهب غيظ القلوب ويثبت للآخر مقدار محبتك واحترامك له . وقد يغني قليل من التوضيح بعد هدوء العاصفة عن اعتذار ثقيل متأخر .
والمعتذر شخص شجاع ، يكسب بشجاعته قلوب أعداءه قبل قلوب أصدقاءه . وليس أبخل ولا أجفى ممن يبخل بمشاعره ويجفى مقربيه عن اعتذار أو توضيح لما صدر منه . فتجده لنفسه بارعاً في اختلاق الأعذار ، بخيلاً في الاعتذار !

إذا أخطأت فاعترف بخطأك ، دون أن تبرر نفسك للآخر أثناء الاعتراف والاعتذار . فليس أسوأ من أن تشرك الآخر في خطأك وتشعره أنه لولا أنه قال كذا أو فعل كذا لما بدر منك ماكان ! اعترف بتقصيرك وخطأك وأنت تعنيه وأنت تنظر في العينين مباشرة ، حتى يشعر الآخر بصدق مشاعرك .

وإذا أساء أحدهم إليك فالتمس له العذر على قدر طاقتك ، وعلى قدر معرفتك به . فإن وجدت الحق معك فعبر للآخر عما يدور في خلدك وعن مشاعرك السالبة ، ولا تنكر استيائك إذا ما حاول سؤالك عما بك ، فإنه لم يسألك إلا لاهتمام بك .
ولكن ليحذر المعتذر من محاصرة الآخر بالسؤال ، فبعضهم يهدأ من تلقاء نفسه ، ويحتاج مساحة ووقتاً لهذا الهدوء . وبعضهم يخجل من التصريح باستيائه لتفاهة السبب ، أو لكثرة تكراره ، أو أنه لا يريد أن يشعر الآخر بأنه يغضب من أتفه الأسباب ، أو لأي سبب آخر .

إذا وجدت نفسك قادراً على الاعتذار والاعتراف ، فاعرف أنك شجاع . وإن وجدت نفسك تختلق الأعذار ، ويحول كبرياؤك دونك والاعتراف والاعتذار ، فاعرف أن بك نزعة من غرور ، أو أن الآخر لا يعني لك الكثير !!

همسة للقلوب الرقيقة: أرقى أنواع الاعتذار ، هو ما كان لخالقك ، على ما بدر منك من تقصير أو سوء أدب أو استغلال لإمهاله لك بتجرؤك على محارمه .
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

حتى التميس !!!

ننظر للواسطة على أنها شيء سيء أعاق تقدم البلد ، وعطل الكثير من مصالحنا ، ونطالب دوماً بتدخل حكومي أو ملكي لمنع الواسطة أو على الأقل تخفيف انتشارها السرطاني في كل أنواع المعاملات !!
ولكن الحقيقة أن الواسطة مبدأ إسلامي إيجابي ، يحث على التكافل والرحمة وتذكر المطحونين من الناس الذين لا يعرفون الواسطة ولا يسألون الناس إلحافاً ، وبالتالي تؤثر على العلاقات الإنسانية إيجابياً . بل إننا لن نبدأ الحساب يوم القيامة إلا بعد أن نتوسط عند الأنبياء ليدعوا الله أن يحاسبنا ويريحنا من الوقوف الطويل !!

نحن الذين أسأنا استخدام الواسطة حتى حولناها لشكلها البشع الآن . ففي الوقت الذي نطالب فيه بالقضاء عليها ، تجدنا عند قضاء أي مصلحة نتواصل مع معارفنا لنحصل على واسطة تسهل الأمور وتسرعها وتقلل تكلفتها وعناءها !! بل ولا نتورع عن الاتصال بأناس لم نتواصل معهم من سنين عجاف لمجرد تذكرنا أنهم قد ينفعوننا الآن .. وهذا من أسوأ ما أنتجته الواسطة من العلاقات الإنسانية المصلحجية !! فهو يعني أن العلاقات الاجتماعية ليس لها دور سوى الواسطة و "معرفة الناس كنوز" (مادية مو معنوية أو معرفية) ، ويعني أيضاً ان الواسطة حلال علينا وحرام على غيرنا !!!

رسول الله موسى - عليه السلام - توسط لأخيه هارون - عليه السلام - ليصبح رسولاً .. قال الله تعالى : (هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) قال المفسرون : أي أشركه في أمر النبوة والرسالة .. فأي واسطة أعظم من هذه الواسطة !!!!
ولكن ما حدى بنا إلى هذه المأساة في الواسطة هو أننا ندخلها في كل أمور حياتنا ، ونجعلها شماعة نلقي عليها جميع عقباتنا وفشلنا وعدم وصولنا إن لم نملكها ، ونجعلها أداة النصر إن ملكناها ، ونسينا أننا لو توكلنا على الله حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير ..

لا أطالب بإلغاء الواسطة ، ولكن أطالب بتقنينها ، وأطالب كل ذي منصب بأن يتقي الله قدر ما يستطيع فيما تحت يديه من صلاحيات ، وأطالبه بأن يقبل الواسطة فيما يستحق أن يقبله ، ويرفضها فيما لا يستحق .. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة . ومن ستر مسلماً ، ستره الله في الدنيا والآخرة . والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) مقدمة الصحيح/2699 .

ومن يقول بأن الدول المتقدمة لا واسطة فيها كاذب أو جاهل . فهي موجودة في كل بلد وفي كل عصر ، ولكنهم أحسنوا استخدامها وأسأنا استخدامها .. فهم و إن أساءوا استخدامها فعلى نطاق ضيق لا يضر بمصلحة بلادهم ، بعكسنا ، وقد تشربنا أصول الواسطة منذ صغرنا ، فأصبحنا نبحث عنها قبل حتى أن ندعو الله أن ييسر لنا !! ونبحث عن الواسطة في كل شيء حتى في صف التميس !!!

ابحث عن واسطة إن كنت تعرف ، وتوسط لغيرك إن كنت تقدر ، ولكن لا تبطل حقاً أو تحق باطلاً بواسطتك فتؤذي الناس .. قال الله تعالى : (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) .. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه السائل ، وربما قال : جاءه السائل أو صاحب الحاجة ، قال : ( اشفعوا فلتؤجروا ، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء) الجامع الصحيح/7476 .

أما نصيحتي لمن لا يستطيع الوقوف في وجه الواسطة لضعف منصبه ، أو لطيب قلبه ، أو لأنه لا يرد أحداً ، أو لأنه يملك قبيلة كبيرة أو لأي سبب آخر ، هي : ليس شرطاً ان ترد كل الواسطات ، ولكن بالتأكيد ليس كل الواسطات تستحق القبول !! وكلنا يستطيع التمييز ويستطيع أن يمسك العصا من منتصفها ..

الأحد، 27 سبتمبر 2009

السعادة .. وجهة نظر

يحزنني كثيراً ، بل ويصل بي - مرات - حد الإحباط أن أسمع ممن حولي عبارات الحزن والأسى وأن قدرهم ونصيبهم و" حظهم" نحس !! فتجدهم لا يتركون مجلساً ولا نادياً ولا اجتماعاً إلا وزفراتهم وتنهيداتهم ترفع من حرارة الجو ، وقصصهم البائسة بظلم الحياة والناس لهم تملأ فضاءات المجالس !! وهؤلاء تجدهم لا يستطيعون أن يتمتعوا بشيء من مباهج الحياة . وتتركهم سنين وأجيال وقرون فتعود لتجدهم كما كانوا يندبون حظهم العاثر !!

السعادة ليست شيئاً نبحث عنه ونجده فيهبنا الفرح مدى الحياة ، بل الفرح رحلة .. رحلة طويلة يغدو المرء سعيداً بارتحالها وقضاء عمره بسنينه وشهوره وأيامه وساعاته ودقائقه وثوانيه فيها ..
ضاقت الدنيا بالناس ، وضاق الناس بالدنيا فلم يعد لهم صبر على العيش فيها ، وأصبح الكل ينتظر الفرج والسعادة !!! ولن يأتي لا فرجٌ ولا سعادة ، لأنهما لا يأتيان أصلاً ، بل يعيشان بداخل الإنسان .. برضاه بما قسم الله له في الدنيا ، وبصبره على ما ابتلاه الله به ..
وبعضهم إن سألته مايسعدك ، أجابك بلا أدري !! وكثيرون يعتقدون أن السعادة في منصب أو حبيبة أو مال أو سيارة .. وهي في جوهرها ليست كذلك ..
بل قد تكون باستمتاع المرء بأكلة يأكلها ..
بطفلٍ يداعبه في الطريق ..
بيتيمٍ يمسح رأسه ..
بمشهد نظرات هرٍّ يترصد لعصفور صغير لينقض عليه ..
بسماعه لألحان حفيف أوراق أشجار الخريف ..
بتخيل أشكال ترسمها السحب ..
بهوايةٍ يمارسها أو يتعلم غيرها كل مدة ..
بتجربة شيء جديد ..
بتطبيقه لحديثٍ أو آية يكررها لسانه ولاتطبقها جوارحه !!
أو حتى استمتاعه باختلائه بنفسه أو بصمته !!

السعادة أن تحوّل كل مابين يديك إلى وسيلة تؤدي لسعادتك ومن حولك ..
السعادة أن تنظر إلى كل مايصيبك بمنظار غير اللون الأسود لترى حكمة الله فيما أصابك .. ولتستمتع بوقوفك على قدميك من جديد نافضاً غبار الحزن وغبار المصيبة ..
السعادة أن تهب السعادة لمن حولك ..
السعادة أن تقتنع بأن السعادة شيء لا تجده ، بل شيء تعيشه ..

اعتراف :
الحقيقة أنني في فترة من فترات حياتي كنت أتعاطف كثيراً وأستمع كثيراً لهذه الفئة من الناس ، وأحاول أن أخفف عنهم وأحتويهم .. أما الآن قلّ ذلك كثيراً ، وصرت أفرّ منهم فراري من الأسد ، لأن بعضهم يحلو له العويل وندب الحظ ويستمتع بالتفاف الناس حوله ومراضاتهم له وتخفيفهم عن همومه الزائفة ؛ خاصة الذين يظنون أنفسهم محور الكون ، فيظنون الكل يتقصدهم بنظراتهم وتلميحاتهم وتصريحاتهم ، بل ويظنون الكون بأسره بدوله وحكوماته وأفراده متآمرون على نحسهم !! فيتقوقعون حول أنفسهم باكين متباكين !! فلا وقت عندي لهؤلاء ..

الإنسان بحاجة لمن يبهجه وينسيه همه ويوسع مداركه ونظرته للدنيا ومباهجها ، وليس بحاجة لمن يزيده هماً ويمطره كآبة طوال الوقت ..
وقد أستمع لشكوى أحدهم ، ولكن لن أقبل بأن أكون "معددة" (على قولة شعب عربي مجاور) أوافق المهموم وأجاريه في كل كلمة .. ولذلك لم أعد أميل كثيراً لمجالس العويل وندب الحظوظ وأصبحت تصيبني بالغم !! والحياة أقصر من أن نقضيها في حزن وكآبة وشكاوى وولولة !!

بالطبع لن ينقضي عمر الإنسان في سعادة دائمة مهما كان متفائلاً وإيجابياً .. ولابد من لحظات حزن على شيء كان .. ولا بد من لحظات همٍّ على شيء قد يكون .. ولابد من لحظات غمٍّ على شيء كائن .. ولكن يجب ألا يكون هذا هو ديدن الإنسان وشخصيته العامة ..

ختاماً .. ادعُ بدعاء رسول الله ، واتخذ بالأسباب (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال ) الجامع الصحيح/6369 .

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

تأملات رمضانية

لاحظت بعض التصرفات الرمضانية من أئمة وخطباء ، ومن عوام الناس ، والتي أجدها لا توافق كتاباً ولا سنة ولا حتى منطقاً !!
فمن بعض المخالفات الصريحة في بعض العبادات ، إلى بعض الخروج عن المنطق ، إلى الاهتمام ببعض المندوب إليه وترك السنة ! وهي ملاحظات متفرقة جمعتها من الملاحظة الشخصية أو من قراءات ومشاهدات متفرقة .

وأول ما أبدأ فيه هو مسألة الدعاء ، وذلك ببعض تصرفات أئمة التراويح أو خطباء الجمع ؛ إلى جانب تصرفات بعض المأمومين !!
وأول مسائل الدعاء هي مسألة رفع الصوت بالدعاء من الأئمة ، ورفع صوت البكاء من الأئمة والمأمومين . والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل : (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين) ؛ إذاً رفع الصوت من التعدي في الدعاء .
ونحن لسنا أفضل من نبي الله زكريا - عليه السلام - ، فقد قال تعالى : (إذ نادى ربه نداء خفياً) . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ، إن الذي تدعونه سميع قريب" . وعن بعض السلف قال : يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء !!
وتجنباً للإطالة في سرد الأدلة على مكروهية رفع الصوت بالدعاء والبكاء أكتفي بهذا القدر ..
فأين الأئمة والمأمومين من هذا الخلق النبوي الكريم ؟ فتجدهم يزعجون المصلين بتكلفهم بصياحهم ونياحهم وبكائهم بما يقطع خلوة المصلي بربه وتدبره للدعاء أو القراءة .

ومما يتعلق بمسألة الدعاء ، أن بعض الأدعية غير منطقي على الإطلاق !! بل تخالف شرع الله وسننه الكونية الثابتة التي لا تتغير !! ومن ذاك قول أئمة خطباء الجمعة - في الغالب - الدعاء التالي : اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يُعز فيه أهل طاعتك ، ويُذل فيه أهل معصيتك !!! هل شرع الله هذا الدين ليـُـذل فيه أهل المعصية ولندعو عليهم ، أم لندعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ؟؟؟ فقد ثبت عن كثير من أصحاب رسول الله أنهم أذنبوا ذنوباً وتابوا عنها ، بل بعضهم أذنب كبائر الذنوب كالتولي يوم الزحف ، وتابوا فتاب الله عليهم ، ولم يـُـذلوا . غير أن سنة الله في الكون أن يذنب الناس فيستغفرون ربهم فيغفر لهم . قال - صلى الله عليه وسلم - : "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم" صحيح مسلم/2749 .

كما أن من الأدعية غير المنطقية ، الدعاء على غير المسلمين بالهلاك والدمار وزلزلة الأرض من تحت أقدامهم وقطع نسلهم .... وهذا دعاء غير منطقي وغير ممكن الحدوث لأنه ببساطة يخالف سنن الله الكونية ببقاء الكفار إلى قيام الساعة وقيام الساعة على شرار الخلق ، وأن غير المسلمين يتآمرون على المسلمين ، وأن اليهود يتبعون الدجال ، وأن حرباً تكون بيننا وبين غيرنا في نهاية الزمان ... إلخ . فكيف ندعو الله بما لن يكون !!! بل مايثير ضحكي وعطفي على الناس (لأنه بحسن نية) أن المأمومين إذا وصل الدعاء إلى هذا الجزء تجدهم يؤمـّـنون (يقولون آمين) بقوة قلب !!! وهذا من جهة أخرى يعتبر تعدي في الدعاء ، لأننا لم نؤمر بالدعاء على كل أهل الكتاب ، بل على المحاربين منهم فقط .. أما النساء والأطفال وغير المحاربين فلم نؤمر بالدعاء عليهم ، بل أمرنا ببرهم والعدل معهم ، قال تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) .. والرسول لم يدعُ على دوس ، بل قال : اللهم اهدِ دوساً وائتِ بهم أجمعين .. ومثل هذا من دعا على كل الدنماركيين بسبب كاريكتير رسمه شخص واحد فقط !!! فكيف يُؤخذ شعب كامل بذنب شخص واحد !! قال تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) .

وآخر مسائل الدعاء التي تحضرني ، هي مسألة إطالة الأئمة في الدعاء ، وخاصة في ليلة السابع والعشرين من رمضان ، مع أنها بالإجماع ليست شرطاً أن تكون ليلة القدر ! فتجد ركعة الوتر بالإضافة لدعائها تصل لساعة أو تزيد .. ماهذا التنطع ؟؟؟ وهل أمرنا رسول الله بذلك ؟؟ إلى جانب التكلف في الدعاء والاهتمام بالسجع أكثر من الاهتمام بمحتوى الدعاء ، وترك أدعية رسول الله الواردة والثابتة والمجملة والمفضلة ، والعدول إلى غيرها من الأدعية المفصلة تفصيلاً سمجاً مطوّلاً مملاً يجعل المأموم يتململ في وقفته ويفقد تركيزه ، ويجعل الدعاء يفقد معناه ..
من أراد أن يطيل فليطـِـل في صلاته المنفردة ولا يفتن الناس . ففي الحديث أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة ، فقرأ بهم البقرة ، قال : فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة ، فبلغ ذلك معاذاً فقال : إنه منافق ، فبلغ ذلك الرجل ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إنا قوم نعمل بأيدينا ، ونسقي بنواضحنا ، وإن معاذاً صلى بنا البارحة ، فقرأ البقرة ، فتجوزت ، فزعم أني منافق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا معاذ ، أفتان أنت - ثلاثاً - اقرأ : { والشمس وضحاها } . و { سبح اسم ربك الأعلى } ونحوها . البخاري/6106 .
فإذا كانت الصلاة - وهي أولى وآكد من الدعاء - الإطالة فيها تعتبر فتنة ، فكيف بالدعاء !!! ورسول الله لم يكن يطيل سوى في صلاته المنفردة ، ويخفف إذا أمّ القوم .

وساءني كثيراً أحد أئمة المساجد المشهورين بحلاوة وعذوبة الصوت في مدينة جدة ، حين جائته ملاحظة في ورقة أنك تطيل علينا في القيام فلا نكاد نتسحر !! ومثلها ملاحظة أخرى ، أنك تطيل ونحن كبار في السن .. فساءني رده الذي سمعته بنفسي حين قال في مكبرات الصوت على ملأ المسجد : (المساجد كثيرة وبعض الناس يحب الإطالة ، ومن أراد التخفيف فليغير المسجد !!!!)
هو قالها (والشهادة لله) بأدب وبأسلوب مهذب ، ولكن هل هذا رد العارف بالله ، العارف بسنن رسول الله ؟؟ هل لأنني أحب أن أستمع لصوتك ترد عليّ ردّاً جافاً ؟؟ ثم افرض أنني من جيران المسجد ، أو لا أملك سيارة ، فهل تجبرني على البُعد وبجانبي مسجد قريب يرفض إمامه أن يخفف صلاة ليست مفروضة !!!!

وسؤال يسأله الناس لبعضهم في رمضان ، وهو سؤال ليس مخالفة بقدر ماهو ترك لما هو أولى ، ألا وهو : كم قرأت ؟ كم ختمت ؟ كم ختمة ناوي تختم ؟؟ وين وصلت ؟؟
يقول ابن مسعود - رضي الله عنه - : لا يكن همّ أحدكم آخر السورة .
ورسول الهدى - صلوات ربي وسلامه عليه - كان يدارسه جبريل - عليه سلام - القرآن مرة واحدة في رمضان ، إلا سنة وفاته دارسه مرتين .... هل تعلمون ماذا يعني يدارسه القرآن ؟؟؟ يعني بتدبر وتفكر وقراءة ومراجعة ووقوف على المعاني وخلافه ، وهذا مالا نفعله نحن بقراءتنا المتعجلة بلا تدبر ولا تفكر .. أفنحن أهدى من رسول الله فنختم أكثر من ختمة في رمضان ؟؟؟ ومافائدة الختمة إن كانت بلا تدبر ؟؟ ومافائدة القراءة إن لم تؤثر فينا وتقر في قلوبنا ؟؟

ومن المستغرب أن تجد الشخص يحرص على صلاة التراويح جماعة بينما الصلاة المفروضة يصليها في البيت !! ولن أتحدث عن الذين ينامون عن الصلوات أصلاً ولا يقضونها كذلك !

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ..
وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ..
إن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، وإن أصبت فمن الله وحده ..

الأحد، 30 أغسطس 2009

فوضى وفضاوة

في خبر أثار استغرابي في صحيفة محلية أن عدداً من سكان حي الشرائع بمنطقة مكة المكرمة ، يقيمون دعاوى قضائية فردية وجماعية بالتوكيل الشرعي ضد الفنان فايز المالكي !
وجاء في ثنايا الخبر أن سبب الدعوى هو أن "فايز" في مسلسله "بيني وبينك" ذكر منطقة الشرائع بأنها منطقة مخدرات ، مما ساهم في خفض أسعار العقار وعزوف الناس عن هذه المنطقة !!
بغضّ النظر عن صدق هذه الحيثيات من عدمها ، فلن أتحدث عنها . بل سأتحدث عن موضة الدعاوى القضائية الجماعية والتي تذكرني بالمجاهر بمعاصيه و ردة الفعل الشعبية بالدعاوى الجماعية ضده . وحديثي سيكون عن شرعية هذه الدعاوى وقانونيتها .

ففي نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/21 في 20/5/1421هـ ، في مادته الخامسة للاحتساب في إقامة الدعاوى ، أن الجهات القضائية ملزمة بقبول الدعوى من ثلاثة من المواطنين - على الأقل - في كل مافيه مصلحة عامة ، شريطة ألا يكون في البلد جهة رسمية مسؤولة عن تلك المصلحة . وفي تفسير اللائحة التنفيذية لذات النظام في تفسير "المصلحة العامة" بأنه ما يتعلق بمنفعة البلد ، كما أن المواطنون الثلاثة يجب أن يكونوا من الأعيان وليس من العامة !
والمادة الثامنة من نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/39 في 28/7/1422هـ ، نجد النظام قد أعطى "هيئة التحقيق والادعاء العام" حق رفع الدعوى الجزائية بمواجهة المتهمين متى ما رأت الهيئة بأن في ذلك مصلحة عامة . كما أعطى للهيئة حق التحقيق في الجريمة وإعداد قرار الاتهام ولائحة الدعوى العامة ، وإحالتها إلى الجهة القضائية المختصة للفصل فيها وفقاً لقواعد الشرع وأحكام النظام . (نظام شحليله واضح وصريح)

الآن لنفرض أن المصلحة العامة ومنفعة البلد (كما ينص النظام) تقول بمقاضاة المجاهر بمعاصيه وفايز المالكي ، فإن هذا لا يعني قبول الدعوى أمام الجهة القضائية (سواء كانوا مواطنين أو أعيان) مادام أن هناك جهة رسمية (وهي هيئة التحقيق والادعاء العام) مختصة بإقامة هذه الدعوى ودراسة حيثياتها ، وتقدير مافيه المصلحة العامة من عدمه لإنتفاء الصفة القانونية لغير الجهة المعنية . كما أن قبول الجهات القضائية لهذه الدعاوى واتخاذ إجراءات قضائية ونظامية وشرعية بشأنها ، يعد خرقاً للنظام العدلي الذي نظم طريقة التعامل مع هذا النوع من الدعاوى .
وبناءً عليه لا يجوز إقامة الدعوى - ولو من هيئة التحقيق والادعاء العام - بناءً على تذمر المواطنين ، كما لا يجوز لذات الهيئة مباشرة القضية بناءً على توجيه إداري أقل من التوجيه السامي .

يعني بالبلدي الفصيح :
1- لا يحق للمواطنين ولا الأعيان رفع دعوى قضائية ضد أحد في ما يخص المصلحة العامة .
2- هيئة التحقيق والادعاء العام هي الجهة الوحيدة المخولة بذلك ، بناءً على توجيه سام ٍ .
3- لا يحق للجهات القضائية قبول مثل هذه الدعاوى ما لم تصدر من الجهة المعنية .

الآن وبعد هذا الاستعراض القانوني السريع ، أين دور هيئة التحقيق والادعاء العام في رفع دعوى ضد المذكورين إذا كانت مصلحة البلد العامة تقتضي ذلك ؟ وإذا لم تكن مصلحة البلد تقتضي ذلك فبأي صفة قبلت دعاوى المواطنين مع أن صفتهم القانونية لا تتطابق و شروط إقامة الدعوى ؟
وعلى الجانب الآخر ، أين دور المواطنين من رفع دعاوى أمام محكمة العدل الدولية عن ما يحدث في فلسطين والعراق ونيجيريا والسودان ، وخاصة الدنمارك ؟ هل هي فضاوة المواطنين ، أم هي بسبب غموض النظام ، أم هي عاطفة المواطنين المشوبة بجهلهم بحقوقهم وواجباتهم ومايجيزه لهم النظام وما ليس له صفة قانونية للأفراد ، أم أن غضب المواطنين المكبوت صار يترجم بأي صورة ولو كانت صورة غير صحيحة (يطلعون حرتهم بأي شي بدون تفكير وبعاطفة غير موجهة !!) ؟؟؟
هل يجب عليّ أن أنتظر أحدهم ليخرج في مسلسل تلفزيوني هزيل أو برنامج لبناني حقير ليقول ما يقول لتثور ثائرتي وأرفع دعوى ؟ ألا أستطيع والحال هكذا أن أرفع دعوى ضد أي مارق مأفون يجاهر بمعاصيه أو يتكلم بسوء على الحي الذي ترعرعت فيه ؟ ألا أستطيع أن أقيم دعوى ضد كل مستغل لمنصبه وكل مختلس وكل مقترض من البنوك بالربا وكل من شترى ألبوم شيرين الجديد وكل من يقطع إشارة حمراء وهو يصرح بذلك غير خائف من العقوبة ؟؟؟؟ أليسوا كلهم مجاهرين ؟؟؟؟ بتصير الشغلة لعبة .. وكل واحد بيرفع دعوى ع الثاني .. واستقبلي يامحاكم !!! قمة السخافة والفوضى والفضاوة !
يارب ما يسجنون ناصر القصبي بتهمة تقليد أهل مكة والأحساء والرياض والحضارم والمصريين وتشويه سمعتهم ، حيسجنوه مدى الحياة !
___________
المادة القانونية : مقتبسة بتصرف من مقال للأستاذ يحيى الشهراني (محامي سعودي)

السبت، 29 أغسطس 2009

الخلاف بسبب الاختلاف

من أهم الثقافات التي فرطنا و أفرطنا في تعاطيها ، هما ثقافتي الاختلاف والتصنيف .. ففرطنا في ثقافة الاختلاف ، وأفرطنا في ثقافة التصنيف ..
وللتوضيح أكثر ، فإننا نفرط في تصنيفنا للآخرين على جميع الأصعدة وخاصة على الصعيد الفكري والمذهبي .. والعرقي وغيره لهم نصيب ..
وهذا الداء المنتشر فينا يطال كل المجددين في أمور دنيانا وديننا .. فتجدنا لا نسمع ولا نعي ما يقولون ، ولا نهتم بما لديهم من علم وسعة أفق ، بقدر ما نهتم بتصنيفهم : هذا علماني ، هذا ليبرالي ، هذا سلفي ، هذا مستشرق ... إلخ من التصنيفات العجيبة التي لا تقدم ولا تؤخر . وهذا الاتجاه أدى بنا إلى تعطيل عجلة الحياة كثيراً وتعطيل تطويرنا لذواتنا ولطريقة معيشتنا لأن بعضنا لا يتبع بعضاً مادام قائد الفكرة أو قائد الاتجاه ليس على مذهبه أو فكره ، حتى ولو كانت الفكرة أو الاتجاه لا تخالف شرعاً ولا ملة !!!

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، تصنيف الأستاذ أحمد الشقيري - بكل ما يقدمه - على أنه علماني !!! فتجد معارضيه لا ينظرون لما أجاد فيه وأثبته من صحيح الكتاب والسنة وأقره عليه علماء أجلاء ، بل ينظرون لسقطاته وهفواته ، ويصرون أنه مادام قد أخطأ في قول أو فكرة فإنه يجب رفضه كلياً ، و رفض كل ما يقوله !! وهذا تعطيل لكثير من الأمور الجديدة والأفكار اللامعة التي لا تخالف شرعنا ولا عاداتنا !! ومثله الأستاذ عمرو خالد ، وغيرهما ..

وعلى الجانب الآخر ، تجدنا فرطنا في ثقافة الاختلاف فلم نعمل بها ، بل ولا نعرفها أصلاً ! فلا نستطيع أن نتقبل اختلافاتنا الفردية والجماعية والمذهبية والفكرية ، ولا نفهم أن لكل شخص ميوله واعتقاده وفكره المختلف عن الآخرين . بل إن الأخوين في بيت واحد بتربية واحدة لهما تفكيران مختلفان يعتنقانهما . نسينا أن الاختلاف رحمة ، وأن الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة اختلفوا مذهباً وفكراً ، ولكن لم يعب بعضهم على بعض ، ولم يتنقص بعضهم من قدر بعض ، وكانوا يأخذون العلم عن بعض ، فاختلفوا مذهباً ولم يختلفوا اتجاهاً .

بدلاً من إضاعة وقتنا في تصنيف بعضنا ، والبحث عن هفوات إخواننا وأصدقائنا وأزواجنا ، فلنفهم أولاً أن كلاً منا يختلف عن الآخر في تربيته وتفكيره وأسلوبه ، ولو كنا في نفس الدولة وعلى نفس المذهب ونفس العادات والتقاليد .
ولنفهم بعدها كيف نتقبل الآخر باختلافاته ، وأنه وإن اختلفنا مع شخص ما ، فهذا لا يعني بالضرورة أن أحدنا على خطأ والآخر على صواب ، بل قد يصح أن كلينا على صواب أو كلينا على خطأ . ولنتعلم بعدها كيف نمسك العصا من منتصفها ، وكيف نقبل بأنصاف الحلول مادام الحل لا يقض عرى الدين أولاً ولا العرف ثانياً .
لن يتبقى وقتها سوى أن نأخذ ونعمل بكل ما يقوله الآخر مادام مؤصلاً شرعاً بالقرآن وصحيح الأحاديث ، ولننبذ كل ما لا يوافق كتاباً ولا سنة ، دون أن يفرقنا الخلاف على الاختلاف أو يشحننا بالسوالب . أو مادام الأمر لا يخالف العرف ولا يقلل من كرامة الشخص (في الأمور غير الدينية) .

ولا أنسى أن أنوه بأن الناس في اختلاف نقاشاتهم قد تجدهم متسلحين بأدلة صحيحة وثابتة ومنطق مقنع ، ومع ذلك قد يكون رأيهم خطأ ، أو استدلالهم ليس في محله ، أو تكون الآية منسوخة حكماً ! خاصة لمن يستدل بآية أو شطر آية ولايكمل باقي الآية أو لا يلقي بالاً لسياق الآية وماقبلها ومابعدها من الآيات ، وكذلك من يستشهد بشطر حديث ولا يكمل باقي الحديث الذي قد يهد رأيه من أساسه .

سؤال : إذا كان الله قد قبل لنا الاختلاف في أعظم أمور الحياة وعمودها وهو الدين ، أفلا نقبل على أنفسنا اختلافنا عن الآخرين واختلاف الآخرين عنا في أمور الحياة ونظرتنا المختلفة لها ؟!

الخميس، 20 أغسطس 2009

كتف لوحة

يأبى النوم أن يزورني الليلة .. وموج رقيق من أفكار متفرقة يعتريني الآن .. موج به مسحة من حزن ومسحة من صمت ومسحات من نظرات تأمل ..

أعيد الآن ترتيب بعض أوراق قرارت سابقة اتخذتها في حياتي .. وللمرة الأولى أنتبه أن بعض هذه القرارات تم اتخاذها على عجالة من أمرها ، وأمري .. فظلمت نفسي وظلمتها ، وظلمت كل من يرتبط بهذا القرار بسرعة اتخاذه ..
وبعض القرارات بعد التفكير فيها الآن ، أجدني قد أنصفت ، ورافقتني غمامة من حكمة أثناء اتخاذها .. وللمرة الأولى - ربما - أتحقق من صحة مقولة قالها لي أحد المازحين مرة ، ووجدتها الآن حقيقة .. ألا و هي : من الحكمة أن تبتعد أحياناً لترى بشكل أوضح !

الآن .. وبعد أن ابتعدت عنهم وعن أشيائهم ، وابتعدوا عني وعن مساءاتي .. أجدني أرى بوضوح أكبر ، تفاصيل لم أرها في حينها .. والآن عرفت لماذا يبتعد الرسام عن لوحته لينظر إليها من بعيد ! فهو يريد أن يرى التفاصيل .. كل التفاصيل .. وكلما اقترب من لوحته ، كلما قلـّـت التفاصيل التي يراها ، وكلما غابت عن ناظريه تفاصيل أكثر وأعمق ، وربما أهم ! ولهذا يبتعد .. ولكن ، هل لهذا ابتعدوا ؟؟؟؟

هكذا علاقاتنا الإنسانية .. نقترب من بعضنا حدّ الالتصاق .. نبحث في أعماق بعضنا عن تفاصيل تشبهنا .. عن رائحة مريحة ، كرائحة قهوة .. عن دفء أحضان تحتوينا .. ونبالغ في بحثنا عن أدق تفاصيل اللوحة ، ونبالغ في بحثنا عن أفضلها وأقلها شوائب ! حتى إذا وجدناها اقتربنا منها أكثر ، فلا نعود نرى سواها .. فنذوب فيها عشقاً وهياماً .. ونغفل التفاصيل الأخرى العارية .. الواضحة العري .. عديمة اللون .. عديمة الرائحة .. عديمة الدفء ! ونطمع أن يكون تفصيل واحد طاغياً على كل التفاصيل ..

وفي لحظة من لحظات صدمة عاطفية .. نبتعد لالتقاط أنفاس مقطوعة من لهاث ركض وراء ظل لا صاحب له ! وحين نبتعد وننظر للوحة ، تفاجئنا تفاصيل باهتة .. ويفاجئنا ألا شيء جذاب في اللوحة سوى تلك البقعة الساحرة التي جذبتنا .. ولا يفاجئنا غبائنا باستغباء أنفسنا وتحاشي النظر للوحة كاملة منذ البداية !!

ومايفطر القلب ألا وقت للنظر في لوحة جديدة ، أو التعمق في تفاصيل جديدة .. فلا قوة على الوقوف .. ولا قوة على النظر .. ولا قوة على الشم .. ولا قوة على الثقة .. ولا قوة على الاحتضان .. ولا قوة على الخوف .. ولا قوة على التفكير .. وتصبح جميع أجزاء الجسد خاوية ميتة .. فلا تغرينا أجساد ولا أرواح .. ولا نعود نبحث بعدها عن عطر يأسر الإحساس .. أو صدر يخبيء الدموع .. أو شفتين ترويان عطش الطريق .. وتجف آبار عطائنا بعد أن يمتصوا رحيق حناننا .. ولا يعود لنا من همّ سوى البحث عن جزء واحد في الجسد ........ كتف .. كتف فقط نستند عليه لنقف من جديد .. ووقتها لا يغدو لأي شيء قيمة .. لا لفتات قلوبنا .. ولا لشتات أرواحنا .. ولا حتى للوحة علاقاتنا الباهتة ..

إلى أناس مروا من هنا ، ولم يتركوا سوى غبار ذكرى أصاب إحساسي بزكام حاد : "ليه كذا ليه وش سويت لك ؟؟ اللي حبيته لعمري .. ياعمري .. حبيته لك !"

الثلاثاء، 4 أغسطس 2009

لو سمحت ياويليم .. لو سمحت يافريدريك

خبر ورد في معظم الصحف المحلية الأسبوع المنصرم :
وجـّـه طفل سويدي في الخامسة من عمره رسالة إلى رئيس وزراء بلاده "فريدريك رينفيلد" ، يطالبه فيها بحظر بيع الحلوى (البونبون) من أجل مساعدته على وقف تبذير مصروفه ، على ما نشرت الصحف السويدية بتاريخ 25/7/2009 م !
وكتب الطفل في رسالته التي نشرتها صحيفتا "داغنز نيهيتر" و "افتونبلادت" : "صباح الخير فريدريك ! (فريدريك كذا حاف!!) اسمي ويليم وعمري خمس سنوات . هل في وسعك أن تقرر منع المتاجر من بيع الحلوى ؟ سيتيح لي ذلك ادخار مالي لشراء سوار ومكعبات سحرية" . وتلقى الطفل رداً من رئيس الوزراء الليبرالي قال فيه : "يعتقد الكثير من الناس أنه من الرائع تناول بضع قطع من الحلوى من وقت إلى آخر . وإذا لم يكن المرء راغباً بتناول الحلوى فبوسعه أن يختار عدم شرائها !!" كما شجع رئيس الوزراء الطفل على عزيمته بادخار المال وقوّى من عزيمته ..... !!

خبر كهذا جعل ملايين الأسئلة والمقارنات تتشاجر في رأسي لتكتب أولاً في هذه المقالة ! أصدعكم بقليل منها ..
1- مالفرق بين عقلية طفل سويدي في الخامسة ، وعقلية شاب سعودي في الخامسة والعشرين ؟؟
2- كيف عرف الطفل لمن يوجه خطابه ومن هو المسؤول عن مصيبة عدم ادخاره لماله ، في الوقت الذي لا يعلم السعودي لمن يشكو بعد الله ضعف حاله وهوانه على الناس ؟؟
3- أوجد الفروق العشرطعش بين خطاب الطفل السويدي المختصر والواضح ، وبين مقال في مادة التعبير لطالب سعودي في المرحلة المتوسطة ، أو بينه وبين بحث أكاديمي لطالب سعودي في المرحلة الجامعية ؟؟
4- مالذي جعل الطفل يصل لنتيجة منطقية أن الحلوى هي سبب ضياع ماله وتصرف بناءً على ذلك ، بينما السعوديون لا يزالون يدندنون على وتر الأسهم الضائعة دون أن يجدوا لأنفسهم حلولاً عملية تخرجهم من مآزقهم المالية ودون أن يقرروا ولو للحظة واحدة ؛ التخلي عن عاداتهم الاستهلاكية السلبية ؟؟
5- مالتعليم والتثقيف الاستخباراتي السري الذي تلقاه الطفل منذ نعومة أظفاره ، والذي جعله يثق برد من يوجه له خطابه ، والذي يستطيع أن يساعده على بلواه ، بينما السعوديون لا يزالون يدورون من دائرة إلى أخرى تحت شعار تصريفي بحت "معاملتك مو من اختصاصنا" ؟؟
6- مالذي جعل الطفل يخاطب رئيس حكومة بلاده باسمه الأول مجرداً دون ألقاب ، في الوقت الذي تـُـرَد ألوف المعاملات السعودية لخلو ديباجة "خطاب الاسترحام" من صفات التقدير والتفخيم والسمو والمعالي والاحترام ؟؟
7- لماذا لم يتوجه الطفل لأحد كتـّـاب المعاريض لكتابة رسالته ؟؟ أو بمعنى آخر : ألا يستطيع السعودي كتابة خطاب لوزير أو مدير أو حتى غفير دون أن يدفع لأحد كتاب المعاريض ليكتب له ؟؟ ياشماتة أبلة ظاظا فيا !!!!
8- هل رئيس حكومة السويد ماعنده لا شغلة ولا مشغلة عشان يترك كل شغله ويرد على رسالة طفل ، أو وزرائنا وقياديينا هم اللي مقطعين الشغل مرة ؟؟ (على قول عادل إمام : ساب الجيوش والمماليك والإنجليز ، وفضل يوقع على أطباق !)
كيف يتنصل رئيس وزراء السويد من جميع مسؤولياته ومهامه الحكومية ليرد على طفل صغير ؟؟؟ ليش ما يحلل راتبه ويشوف قضايا أهم ؟؟؟؟ سخافة بصراحة
9- مالذي جعل رئيس وزراء السويد ينظر للنصف الممتلئ من الكأس ، فنظر للخطاب بعين الاهتمام ولو كان من طفل صغير ، في الوقت الذي ينظر معظم قياديينا للمعاملة على أنها منكر ومتهم وشيء ناقص حتى يثبت العكس ! فينظرون المعاملة بعين التشكيك والتنقص والبحث عن الأخطاء الإملائية .. وياما معاملات أتأخرت عشان همزة وتاء مربوطة وخاء منفوشة و ذال مذلولة !!
10- هل لو خرج علينا الطفل وليم في مقابلة تلفازية ومعه طفل سعودي في نفس الموقف ، هل ستكون مقابلتهما التلفزيونية واحدة ؟؟ أكاد أجزم بأنه في الوقت الذي سيتحدث وليم عن الركود الاقتصادي وسبب كثرة الطلاق والانتحار في بلاده ، سيكون طفلنا السعودي النجيب يحك مؤخرته بيد ، ويحك أنفه بالأخرى ، وسعبولة أليمة تشق طريقها نحو ذقنه من طرف فمه !!
11- لماذا اتخذ رئيس وزرائهم هذا الدور التربوي ، فشجع الطفل على الادخار ونمّى فيه هذه الصفة الحميدة ولم "يسلخ" الطفل برسالة توبيخ له أو لوالديه ؟؟
12- لماذا كان خطاب الطفل ويليم مختصراً وواضحاً ويصيب قلب القضية مباشرة ، بينما معاريضنا تصل لمجلدات ثلاثة أرباعها "طال عمرك" و "كما تعلمون حفظكم الله" و "نرجو من الله ثم من كرمكم" و "أنت بابا وأنت ماما وأنت أنور وجدي" !!
13- مالذي جعل شخصية طفل في الخامسة بهذه القوة وبهذا الوضوح ، ومالذي جعل بعض أطفالنا وقد وصل على أعتاب المرحلة المتوسطة مازال ينام في أحضان أمه ويبكي لو ابتعدت عنه ؟؟
14- هل هناك أمل أن تصل عقلية وتمييز أطفالنا لنصف مستوى أطفالهم (مثلما آمل أن يصل مستوى منتخبنا الأول لربع مستوى رديف برشلونة) ؟؟
15- هل هناك أمل أن يرد أحد وزرائنا أو قياديينا على رسالة من مواطن مطحون معدوم مهروس مدعوس ، دون أن يكتب معروضاً أو يحب خشوماً أو يلحس رخاماً أو يتصل بفلان أو تكفى يا علان ؟؟
16- هل أن أحوَل ومتشائم أم أن هذه الأسئلة صحيحة وشرعية وغير مقلوبة وفي مواضعها المناسبة ؟؟
17- هل السر في خطاب ويليم ، أم في حنكة رئيس الوزراء ، أم في التربية ، أم في النظام الذي يحترم الكل ، أم في مخي المضروب ؟؟
18- سؤال أوجهه للطفل ويليم : ممكن تعلمني أكتب خطابات لو سمحت ؟؟؟
19- سؤال أوجهه لرئيس حكومة السويد : ممكن تعلمهم يردوا علينا لو سمحت ؟؟؟

السبت، 25 يوليو 2009

ساعدوا الشيطان .... ببلاش !

خرج علينا الشاب السعودي مازن عبد الجواد في قناة LBC واصفاً حياته الجنسية ، طاعناً في نساء جيرانه ، ومظهراً نساء السعودية بمظهر الماديات اللواتي قد يبعن أنفسهن من أجل المادة ! وعرض أدواته الرخيصة بوقاحة وإباحية ، فجاهر بالمعصية وخدش الحياء ، وخدش كرامة شعب وكرامة وطن ..

وعلى قدر ما تتباين وجهات النظر حول أي قضية ، إلا أن قضية مازن عبد الجواد لاقت ردة فعل واحدة ، وهي اللعن والسب والشتم والمطالبة بأقصى العقوبات لهذا المارق المأفون ، ووصمه بأبشع وأقذر العبارات وكأن واصمه وشاتمه ولاعنه منزه عن الخطأ ! هذا غير بعض المعوقين ذهنياً اللذين وصفوه بـ "بقايا الحجاج" وأن هذه الأفعال الحقيرة لا تصدر إلا من المتسعودين ؛ وكأن السعوديين "عيال الحمولة" لا يخطئون ومايجيبون العيد ولا حتى ويك إند !!!!

لن أدافع عن هذا الشخص ، ولن أبرر أفعاله ولن أحللها ، بل سأحلل ردود الأفعال التي تشعر من قوتها بأن مطلقيها آلهة لم يخطئوا ولم يذنبوا في حياتهم .. إن كان ذنب مازن أنه جاهر بالمعصية ، فكثيرون في حياتنا اليومية يجاهرون بمعاصيهم ومغامراتهم المغربية والدمشقية والمحلية في المجالس والمنتديات ، بل ويتفاخرون بها أمام القاصي والداني وأمام الأجانب وغير المسلمين أيضاً وعلى ملأ اليوتيوب .. فلماذا الآن هذا التقريع الشديد لمازن وقد جاهر كما يجاهرون وأذنب كما يذنبون ؟؟

سافروا للخارج بدءاً من الدول الأقرب فالأبعد لتروا أفعال السعوديين جهاراً نهاراً ، غير مبالين بسمعة السعودية أو بسمعة الإسلام ! بل قبل أن تسافروا وأنتم في الطائرة سترون البوادر ابتداءً من "تشليح" العبايات ورميها في كيس مكرمش ، وانتهاءً بالتحرش بالمضيفات ..
التدخين والتفحيط والمغازلة وإسبال الثياب ورفع صوت الأغاني في الشوارع ، بل محلات بيع أشرطة الأغاني بحد ذاتها كلها مجاهرة بمعاصي ، لماذا لم تقم قائمة الشعب على هذه الذنوب وعلى المجاهرين بها ، أم أنها من كثرتها أصبحت علكة قديمة بصقناها وبحثنا عن غيرها و لم ننتبه لمرارة طعمها !!!!

لا ألوم الشعب على غيرته وحميته ، بل ألومه على عدم عقلانيته وعدم موضوعيته ، ونظرته الدائمة للأمور بمنظار عاطفي حماسي متعجل .. مالفرق بين مازن وبين أكبر مختلس ومستغل لمنصبه في الدولة يقول بأعلى صوته عند شكوى أحدهم "أعلى مافخيلك اركبه" ؟؟؟؟ أليسوا سواءً في المجاهرة ؟؟؟

روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فقال : اضربوه . فمنا الضارب بيده والضارب بثوبه والضارب بنعله . ثم قال : بكتوه فأقبلوا عليه يقولون : ما اتقيت الله ما خشيت الله وما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعض القوم : أخزاك الله . قال : لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان ولكن قولوا : اللهم اغفر له اللهم ارحمه . (هداية الرواة 3/439)

مازن أخطأ وعليه من الله ما يستحق ، ولكن لا جدوى من سبه والفرح بالقبض عليه والشماتة فيه ، بل الأصل أن نعمل بسنة نبينا ، ولعل مازن قد تاب الآن توبة ، لو وزعت على أهل جدة لكفتهم .. لكن وش أقول عن شعب طفشان ما صدق قضية تصير عشان يجلس يلوك فيها غير : ساعدوا الشيطان على أخيكم ، اعملوا لحساب الشيطان .. لكن تراكم تشتغلون متعاونين لحسابه ببلاش !!

اللهم اغفر لمازن ..
اللهم ارحم مازن ..

السبت، 18 يوليو 2009

أصولنا بنغالية

يهكرون على خطوط الهاتف في أوكار للاتصالات المحوّلة ..
يخالفون أنظمة الإقامة ..
يخالفون أنظمة العمل ..
ينسقون و يقيمون حفلات الرذيلة ..
يهرّبون و يصنعون الخمور و برامج الحاسوب المقلدة والمزورة ..

كل ما سبق أمثلة عن بعض نشاطات أهل البنغال .. أو العمالة البنغلاديشية في السعودية ..
ولنقارن بين هذه العمالة المغضوب عليها في السعودية وبين بعض السعوديين (أو معظمهم في نظري) المقيمين في الخارج ؛ سواءً لدراسة أو عمل أو خلافه ..
فالسعوديون يريدون التحايل على شركات الاتصالات في بلد الإقامة ، والحصول على أرخص أسعار المكالمات الدولية (هذا إن ماجابوها بلاش عشان يتصلون على أمهاتهم اللي ماعرفوهم غير في الغربة) .. ولايخجلون من التصريح عن طلبهم للبرامج الحاسوبية والأجهزة الالكترونية التي تسهل عليهم هذا التحايل !
وكثير منهم يخالف أنظمة إقامة البلد الذي استقبله ، بل يخالف أنظمة السفارات السعودية فلا يبلغهم بدخوله أو خروجه من البلد ، ثم يلهث إليهم عند مواجهته أي مشكلة ! وكمداخلة ليس لها علاقة بالموضوع .. كيف تتوقع أن تعترف بك السفارة السعودية أمام جهات البلد المختصة عندما يسرق جواز سفرك - مثلاً - وأنت لم تسجله في السفارة منذ البدء ؟؟ (مالنا علاقة بهالموضوع الحين ، بس خطرت في بالي لأنها حصلت مع شخص مبتعث سُجن لمدة سنة)
وكثير من السعوديين يخالف أنظمة الابتعاث السعودية والأجنبية المانعة على الطلاب الجمع بين الدراسة والعمل !
وكثير منهم ينسقون ويقيمون حفلات الرذيلة بكل أنواعها ، بل بعضهم لم يسافر إلا لذاك !!!
وكثير منهم (بل كلهم) يستخدم التحميل غير الشرعي من الانترنت ، ولا يتورع عن شراء ونسخ البرامج والاسطوانات المدمجة المسروقة والمشبوهة ، مهما كان محتواها !

الآن وبعد هذا العرض السريع وغير المفصل .. يتبادر إلى ذهني أسئلة تقرقع في صدري ..
لماذا نصبّ جام غضبنا على العمالة البنغالية في السعودية ونطالب بإبعادهم وإقصاءهم عن السعودية ، بينما نحن نمارس نفس الأفعال - و ربما أسوأ - في بلاد الغربة (وفي السعودية أيضاً) ؟؟؟
لماذا نتشدق بالدين والعادات والتقاليد في السعودية فقط ، وفي الخارج نرفع شعار : ديرة مو ديرتك "...." فيها وانت واقف ؟؟
لماذا نصف البنغاليين بالمجرمين والمفسدين في الأرض عند ارتكابهم لأفعال شائنة ، في الوقت الذي نبرر لأنفسنا أفعالنا الشائنة بقولنا : هذولي كفار يستاهلون !!!!!!

أفعالنا و أفعالهم سواء .. فإما أن نكون أفضل منهم و أرفع قدراً بصفة عامة (وهذا مالا يمكن إثباته) بحيث نصبح منزهين عن أن يتنقصنا أحد أو يسخر منا وبحيث يصبح من حقنا فعل ما نشاء وقتما نشاء أينما نشاء ..
و إما أن نكون مثلهم فعلاً (وهذه هي الحقيقة) ووقتها ماينفعش نرمي الناس بالطوب وبيتنا من زجاج .. فأنصح بأن نبحث جيداً في أصولنا و أصولهم .. فمن المؤكد أن أصولهم عربية ، أو أن أصولنا بنغالية !

السبت، 11 يوليو 2009

موز وماء بارد

مجموعة من العلماء و ضعوا خمسة قرود في قفص واحد .. و في منتصف القفص يوجد سلم ، وفي أعلى السلم هناك بعض الموز ..
في كل مرة يرتقي السلم أحد القرود لأخذ الموز ، يرش العلماء باقي القرود بالماء البارد ..
بعد فترة بسيطة ، أصبح كل قرد يحاول أخذ الموز , يقوم الباقون بمنعه و ضربه حتى لا يتم رشهم بالماء البارد !
بعد مدة ، لم يجرؤ أي قرد على ارتقاء السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الإغراءات ، خوفاً من الضرب ..

بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة بقرد جديد ..
أول شيء قام به القرد الجديد أنه حاول ارتقاء السلم ليأخذ الموز ، ولكن القرود الأربعة الباقين ضربوه و أجبروه على النزول !
وبعد عدة مرات من الضرب ، فهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يرتقي السلم مع أنه لا يدري ما السبب !!!!!

قام العلماء أيضا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد ، و حلّ به ما حل بالقرد البديل الأول .. حتى أن القرد البديل الأول شارك زملائه بالضرب و هو لايدري لماذا يضرب !!
و هكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة ، حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبداً ..
و مع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه ارتقاء السلم دون أن يعرفوا ما السبب الفعلي لفعلهم هذا !!!!

لو فرضنا أننا سألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يرتقي السلم ، فبالتأكيد سيكون الجواب : لا ندري .. ولكنا وجدنا آباءنا وأجدادنا له ضاربين !!!!!!

تكلمت في مقالي السابق "نظام سابا" عن موروثات الأقوال ، ومايؤدي بعضها من التمسك بمعتقدات خاطئة تسيطر على أفعالنا فتجعلنا أسرى لها عن التغيير للأفضل والأصح ، دون أن نعطي الفرصة لأنفسنا بالتفكير فيها وفي جدوى العمل بها وتوارثها ..
وتجربة القرود والموز والماء البارد إكمال لمقالي السابق ، ولكنها تتحدث عن موروثات الأفعال .. أو لأكن أكثر دقة ..... إنها تتحدث عن موروثات المجتمع المندرجة تحت بند "العادات والتقاليد" وتحت بند "ممنوع الاقتراب" !!

هذه التجربة مثال مصغر لما حكاه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن الأمم الغابرة التي عبدت مخلوقات من دونه ، فكانت إجابتهم لرسلهم موحدة (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) وكأنهم يتوراثون هذه الإجابة (أتواصوا به بل هم قوم طاغون) ..
الفرق بين الحالتين ، أن الأمم الغابرة كانت تردد الإجابة وفقاً لما تعتقده دينياً ، بينما مجتمع القرود (عفواً أقصد مجتمعنا) يردد ويتصرف بناءً على مايعتقده اجتماعياً ..
ولا يخفى على جاهل أن كثيراً من بعض موروثاتنا الاجتماعية لا توافق كتاباً ولا سنة ، ومع ذلك نجد بعضهم لا يزال يتمسك بها ويعمل بها ويتوارثها .. بل وقد يصل به الأمر لحدّ إيذاء من يتعرض له بالنصح !!

وكمثال على سواد بعض عاداتنا (وأثق أنكم بعد قراءة المقال ستزور عقولكم أمثلة أكثر) مسألة الحجر على بنت العم !!!
ومسألة عدم قيادة المرأة للسيارة .. ومسألة لهف ثلاثة أرباع مهر الفتاة بحجة أن هذه تكلفة التربية !!!! (التربية غليت في البلد !!)
وكذلك مسألة عدم كشف المرأة وجهها لزوجها حتى وهم يمارسون علاقتهم الحميمة ، حتى أنها تأكل بعده من بقايا أكله .. ولا يصح أن تأكل معه ولا حتى في نفس الوقت في مكان آخر !!!!
أتكفي هذه الأمثلة ؟؟؟

هدفي من هذا المقال ليس إيجاد حلول لهذه الأمثلة ، ولا لمثيلاتها من المشكلات الاجتماعية العويصة والتي تحتاج لمتخصصين يحتاجون بدورهم لوقت كبير يقارب العقود من الزمان وعبر أجيال متلاحقة لحل هذه المشكلات .. هدفي أصغر من هذا بكثير ..
هدفي ليس جماعياً .. بل أستهدف الفرد بحدّ ذاته .. وإذا بدأ التغيير من الفرد قد يصل لأفراد ، يوصلون الأمر بدورهم لمجتمع ..
وهدفي من مشكلات الفرد أصغرها .. لن أنظر للمشاكل العميقة ، بل لصغائر الأمور التي تقف عائقاً أمام الفرد عن التغيير وعن الخروج عن قيود عادات لا تمتّ للإسلام بصلة !!
إذا استطاع الفرد تحديد أسوأ عاداته وموروثاته غير المتصلة بالإسلام ، وحاول إقصائها وعدم العمل بها ، ثم حاول التأثير في محيطه الصغير فهذا يكفيني .. والرسول في بداية دعوته إنما أمر بدعوة عشيرته فقط (و أنذر عشيرتك الأقربين) ..
هدفي أنه إذا سألنا غريب عن بعض أفعالنا أو موروثاتنا ألا نجيب مثل القرود : إنا وجدنا آباءنا وأجدادنا كذلك يفعلون .. بل نجيب : إنا لسنا مقلدون .. إنا قوم مفكرون .. ولن نجيب مثل ما كانوا يجيبون ..

الأربعاء، 8 يوليو 2009

نظام سابا

من أكثر الحـُـجج سخافة ، حـُـجة "الطبع يغلب التطبع" .. فتجد كل من لديه سلبية أخلاقية أو نقص أخلاقي أو على الأقل خصلة تضايق المحيطين به ولو لم تكن سلبية ، يسارع بإلقاء العبارة على مسامعك ، وكأنها قرآن منزل يجب العمل بمقتضاها !
في الحقيقة لا تستفزني عبارة مثل هذه العبارة .. أو هي من أكثر العبارات التي أسمعها استفزازاً ..
فبعضهم يرفض النصيحة أو حتى الاستماع لها .. ويرفضها ولو حتى من باب النقاش وإيجاد الحلول !

فتجد في هذه القائمة كثيراً من المدخنين والمفحطين والمتعصبين (الرياضيين والعرقيين والقبليين والمذهبيين والذكوريين ... إلخ) وغيرهم ؛ ومعظم المنتمين لهذه الفئات يرفضون تغيير طباعهم وعاداتهم رافعين شعار هذه الحجة السخيفة !
فالمدخن يرفض قطع هذه العادة الخبيثة بحجة إدمانه وتغلغل النيكوتين في خلاياه وعظامه ونخاع عظامه !!
والمفحط يتحجج بعشقه للسيارات أو باتهامه بجهل مناقشه للذة ممارسة حركات الموت ولذة بث الأدرينالين في الأوردة والشرايين !!
والمتعصب لناديه يرفض أي نقاش أو إساءة لناديه (وقد يقبلها على نفسه) بحجة تعلقه بالكرة أو باتهامه بجهل عاشق النادي المنافس للتاريخ الكروي والرياضي وجهله بأبسط قواعد الكرة ! والتعصب العرقي والمذهبي والقبلي والذكوري لا يخفى عليكم ..

آخذكم الآن عبر الزمان لقرون مضت ولما قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنوات ..
ولن أتحدث عن كل من عاش في تلك القرون الأولى ، بل سأختصر حديثي عن فئة الكهول (وهي الفئة التي جاوزت سن الثالثة والثلاثين في أوسط الأقوال) ..
كان الناس مدمنو خمر ، مدمنو نساء ، متعصبون لعشائرهم ومن ثم قبائلهم ومن ثم عرقهم العربي ومن ثم ذكوريتهم المزعومة .. كانوا قاطعي رحم ، مرابين ، وائدي بنات ، هاضمي حقوق ... إلخ من الصفات والعادات السيئة المركبة والمعقدة والمتوارثة جيلاً بعد جيل و التي يعجز عن تقويمها أعظم الأطباء و أخصائيي ومستشاري علم السلوك الإنساني والاجتماعي والنفسي!

ثم بـُـعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناهياً عن الخمر ، ناهياً عن الزنا ، ناهياً عن وأد البنات ، ناهياً عن التعصب للقبيلة واللون والجنس .. فسمع الناس وأطاعوا .. لم يقل أحد "هذا طبعي والطبع يغلب التطبع" !! لم يقل أحد "بعد ما شاب ودوه الكتـّـاب" !! لم يتعلل أحدهم بعمره أو بمرضه أو بوضعه الاجتماعي أو المالي (و إن كان هذا هو سبب كفر أبو جهل على سبيل المثال مع إيمانه بصدق الدعوة في باطنه) !!

هل التوقف عن التدخين أصعب ، أم التوقف عن إدمان الخمر أصعب ؟؟؟
هل التوقف عن العادة السرية أصعب ، أم التوقف عن الزنا أصعب ؟؟؟
هل التوقف عن إذلال البنات وعضلهنّ أصعب ، أم التوقف عن وأد البنات أصعب ؟؟؟
هل التوقف عن التعصب للنادي والتعصب للرأي والتعصب للخلق السيء فينا أصعب ، أم التوقف عن التعصب للقبيلة وللوضع الاجتماعي والمادي واللون أصعب ؟؟؟
هل تغييرك لطبعك أصعب من تغيير سيد قرشيّ لطبعه ، فأصبح في غمضة عين يأكل مع عبده ويقف بجانبه في الصلاة ويعتذر له ويجاهد معه ، في الوقت الذي ما زلنا مع كل علمنا وثقافتنا ننظر لبعض الجنسيات بدونيّة ؟؟؟
إن هذا لشيء عجاب !!!

من الأشياء المثيرة للحزن أن تفرقك السنون عن بعض من تربطك بهم علاقة .. ولكن مايجعل الأمر أكثر حزناً أن تقابله بعد كل هذه السنون لتجده كما هو لم يتغير ولم يتزحزح قيد أنملة عن موضع أخلاقه وعاداته السيئة .. والمثير للدهشة أننا نستمتع بقول الآخرين لنا : "يااااااه يا فلان ، تصدق بعد السنين هذي كلها انت زي ما انت ما اتغيرت !!!" قد تثير عبارة كهذه فرحي إذا قصد المتحدث أن طباعي الحسنة لم تتغير ، ولكنها قد تكون أشبه بصاعقة لو كان يقصد الجانب السيء فيّ !
ومَن منا يسأل ماذا يقصد المتحدث !!!!

لن أدعوك للتغيير والتطوير ، فلعل ثقافتك في هذا المجال تفوقني .. ولكن يكفيني أن أنير لك زاوية مظلمة قد تكون مررت بها ولكنك لم تعرها انتباهاً كافياً .. أو لعل متراكمات الموروثات من الأقوال أثقلت كواهلنا عن النظر بتمعنّ أو التفكير لوقت كافٍ في صحة بعض هذه الموروثات أو جدوى توارثها أو العمل بها (ولنا حديث آخر إن شاءالله عن موروثات الأفعال) ..

بيدك التغيير وبيدك أن تعيش على نظام نيكول سابا ..
فقد أدت (ولم تغنِّ) أغنية بائسة ..
الأغنية تقول كلماتها : "أنا طبعي كدا .. وبحب كدا .. وبحب أعيش ومعنديش إلا كدا .. دي حياتي أنا .. دي ملكي أنا .. وأنا مهما يكون برضو حكون زي ما أنا" (يعني بالمختصر زي اللي تقول أنا مخي جزمة قديمة وماحتغير ولو مو عاجبك اشرب من البحر)
يتهيأ لي نظام سابا مرة كويس ويناسب ناس كثير ، خاصة اللذين يتسائلون "ولماذا التغيير ؟؟" .. بس فيه النظام اللي أكوس منه ويناسب الناس اللذين يتسائلون "كيف التغيير ؟؟" !!

السبت، 4 يوليو 2009

أعناق و أرزاق

<مالك فطور معنا .. يا نذل !!>
تصبـّـح "خالد" مدير شؤون الموظفين الشاب بهذه العبارة من زملاءه في الشركة ؛ فانعقد حاجباه في استغراب ، وعلى شفتيه ابتسامة مستفهمة لهذه الظهور الموجهة له بعد أن أدار الكل وجوههم له مكملين إفطارهم غير عابئين بوجوده !!
بدايةً ، شعر أن في الأمر مزحة ما .. ولكن عندما همّ بالاقتراب منهم ليفطر معهم كما يحدث كل يوم ، فاجأه أكبرهم سناً والذي يفوقه عمراً بعقدين أو ثلاث والذي يعمل تحت إمرته وفي إدارته ؛ بصيحة هادرة مكرراً :
<قلت لك مافي فطور .. اقلب وجهك !!>

اعتدل "خالد" في وقفته مسترجعاً بذاكرته الحديدية أي أحداث قد تكون صدرت منه و أدت إلى ردة الفعل الهجومية الجماعية هذه .. ولكنه لم يهتد لشيء ؛ أو أن ذاكرته صنفت جميع الأحداث والذكريات على أنها إيجابية !
ولم يلبث "خالد" أن تسائل باهتمام :
<خير ياجماعة !! خير يبو سعود ، وش صاير !!>
التفت أحد (شيّاب) الشركة وقدمائها إلى "خالد" ولقمة فول كبيرة تصنع كرة على جانب فمه قائلاً بحدّة :
<عن الهبل يا ورع ولا تسوقها>
استفزت الكلمة "خالد" فأجاب بسرعة :
<لا تسوقوها أنتم واتكلموا بصراحة .. وبدل أسلوب اللف والدوران قولوا وش مضايقكم ولو كنت غلطان ابشروا بالحق>
أجابه "أبو سعود" كبير مخضرمي شؤون الموظفين والذي يعمل تحت إدارة "خالد" الشاب :
<الحين انت يالبزر ياللي ماكملت 7 شهور في الشركة تفصل "أبو ماجد" اللي من قبل تولد وهو يشتغل في الشركة ؟>
تراخت أعصاب "خالد" المشدودة وبدت بسمة ثقة على شفتيه وهو يقول :
<الحين هذا اللي مزعلكم ؟؟؟ ياجماعة الخير مو أنا اللي فصلت "أبو ماجد" .. "أبو ماجد" هو اللي فصل نفسه بإهماله لعمله وتحايله على قوانين الشركة وقوانين مكتب العمل .. هذا غير تزويره للتقارير الطبية اللي يجيبها من عند معارفه بالمستشفيات .. وغياباته واستئذاناته المتكررة بدون مايعطي أحد خبر وكأن الشركة هذي مالها أحد يديرها .. وكفاية شغله المتأخر وإنتاجيته القليلة في العمل .. وبعد هذا كله تتهموني بإني فصلته !!!!! أنا مجرد منظم و منفذ للقوانين وحامي لأموال شركة صاحبها ائتمني على حلاله !!>

لم يعجب التحليل المنطقي "أبو سعود" فقال بإزدراء :
<ماسمعت بالمثل اللي يقول : قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ؟؟>
كرر "خالد" كلامه في صبر :
<يبو سعود أنا ماقطعت رزق أحد ولا عنق أحد .. لكن لما يكون الموظف متهاون في عمله ، ونحذره مرة واثنين وثلاث وهو معتمد على كبر سنه وقدمه في الشركة ومتوقع إنه فوق المساءلة ، بتكون هذه هي النتيجة ...... أنا ما أقدر أحابي أحد في الوظيفة حتى لو كان أخوي أو ولدي .. هذا مال ناس مو مال سايب أو مال سبيل .. وإذا كان "أبو ماجد" مو قادر يقوم بالوظيفة فغيره عشرات الآلاف في الشوارع يتمنوا نص راتبه وضعف شغله وراضيين .. وإذا حياء "أبو ماجد" ما منعه من هذي التصرفات ، فليش احنا نتغاضى بإسم الحياء أو بإسم الصحبة والصداقة والعشرة !!!! يعني يوم غلط "أبو ماجد" ماقلتوا شي ، ويوم إننا نتبع قوانين دولة وقوانين شركة نكون غلطانين ؟؟؟ هذا سبب تأخرنا عن التطور والتقدم ، وسبب إن ناس كثيرين قاعدين في مناصب وهم مايستاهلونها .. عالة على الدولة وعلى الشركة وعلى ناس هم أولى بهذي المناصب !>

غمغم أحد الجلوس قائلاً :
<مو قلت لكم ماعنده سالفة .. بيشوف نفسه أول مايترسم....>
رد "خالد" موضحاً :
<ياجماعة الخير المسألة ماهي مسألة شخصية .. المسألة مهنية بحتة ، مهما كانت العلاقة طيبة بيني وبينكم .. لازم نفصل بين العلاقات الشخصية والعمل وإلا الدنيا بتصير فوضى والإنتاجية راح تقلّ ؛ وإذا قلـّـت الإنتاجية موارد الشركة راح تقل .. وهذا طبعاً في ظل زيادة مصروفات الشركة لأنها بتدفع رواتب لناس ماتشتغل .. وأكيد الشركة بتفلس وكلنا بنصير في الشارع .. ايش رأيكم ؟؟؟ كلنا نصير في الشارع والا الغلطان بس يطلع الشارع ؟؟؟>

بعد لحظات من الصمت والتفكير والخوف من البوح بالإجابة التي يعرفها الجميع ، أجابه أحدهم :
<عن الفلسفة بس .. مالك فطور يعني مالك فطور .. ومثل ماقطعت رزقه بنقطع رزقك ومابتفطر معنا !!>
رد خالد بابتسامة هادئة :
<هذا وأنا قاط معكم بالشهرية في الفطور .. أجل لو ماقطيت معكم وش تسوون ؟؟>
أدار الكل ظهورهم مكملين وجبة الإفطار الممتدة لأكثر من 45 دقيقة حتى الآن .. و همّ "خالد" بالمغادرة عندما تذكر شيئاً فاستادر مرة أخرى قائلاً بنبرة فهمها الجميع :
<يكون بعلمكم .. مصير "أبو ماجد" حيكون مصير كل اللي يتهاون في عمله وكل اللي يزود مدة الفطور عن ربع ساعة .. وهذا كرم من الإدارة والا المفروض مافي وقت للفطور وتعطيل مصالح خلق الله>
و غصّ الفول في حلوق الجميع !!!!