الخميس، 28 يناير 2010

الذاكرة : ذكريات آدم - عليه السلام - (4)

إلى جانب صعوبة وتعقيد إجراء التجارب على البشر ، فإنها تحتاج فترات طويلة تمتد لسنوات لرصد وتحليل النتائج . بعكس الحيوانات سريعة التكاثر ، مثل الفئران وخنازير غانا ، وخاصة في تجارب الذاكرة .
فقد ثبت توريث الذاكرة في الطيور بنسبة سبعين بالمئة ، حيث يخرج الكتكوت من البيضة إلى مصدر الغذاء مباشرة ، دون تعليم أو توجيه ، بينما ثلاثين بالمئة يكتسبها مع العمر والخبرة . والحيوانات تتوارث الذاكرة بنسبة ستين بالمئة ، بينما الأربعين بالمئة المتبقية تكتسبها مع الخبرة . بينما مع الإنسان يصعب الانتظار لعام أو عامين على الأقل لنرى نتائج الذاكرة الموروثة !
فخلص العلماء إلى اقتراحين يستطيعون من خلالهما دراسة ذاكرة البشر . أول الاقتراحين أن يتم مقارنة أمخاخ الحيوانات بالبشر لمعرفة الأثر الوراثي لكل منهما ، وهذا صعب - بل شبه مستحيل - لجهل العلماء بتركيب المخ في الحيوانات والبشر ، إلى جانب عدم وجود مراكز محددة للذاكرة . والاقتراح الآخر هو التنويم المغناطيسي ، حيث يتم تصفح عقل وذكريات المنوَّم مغناطيسياً واستخراج ما كمن في ذاكرته . وتم الاستقرار على الاقتراح الثاني .

فريق من المتطوعين تم إخضاعهم للتنويم المغناطيسي ، وطلب منهم المنوم العودة إلى الماضي ، إلى أقصى نقطة يستطيعون العودة إليها . وتحت تأثير التنويم غاص المتطوعون في أعماق ذكرياتهم التي لم يكتسبوها في حياتهم ، وظهرت النتائج بشكل مبهر لم يخطر ببال أكثرهم تفاؤلاً !!
المتطوعون عادوا بذاكرتهم إلى أيام طفولتهم الأولى ، بل تخطوا ذلك إلى ذكريات الرحم منذ تكون المخ وسجل كل ما مرّ به !! ثم فجأة تم تجاوز كل هذا لنقطة لم يتوقعها أحد .......... لقد بدأ بعضهم يتحدث بلغات غريبة لم يتعلمها في حياته قط ، وبعضهم تحدث بلسان يخالف عمره وطبيعته وجنسه !
متطوعة بريطانية ، تحدثت بلسان جندي فرنسي من جيش نابليون بونابرت(1) ، في الوقت الذي أكد فيه كهل أمريكي بأنه صبي هندي مات في صغره !!!
وانحنى العلماء يدونون ويحللون كل ماسمعوه وشاهدوه ، في محاولة للفهم .... وخلصوا أن الأمر يتعدى مرحلة الذاكرة الموروثة إلى مرحلة الترانزستور(2) !!!

بالعودة إلى فكرة تناسخ الأرواح ، نجدها نشأت من كون بعض الناس بدأ يستعيد فجأة بعض الذكريات الغريبة من قبل مولده ، ذكريات تنتمي إلى عالم آخر وجنس آخر !
وأول من رصد هذه الظاهرة هي المعتقدات الهندوسية والكونفوشيوسية(3) ، وفسرتها بأنها تناسخ أرواح(4) . وإن كانت الفكرة غير مقبولة إسلامياً ولكنها مقبولة في بعض الديانات الأخرى . وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي قام العلماء بتجارب خاصة تستخدم التنويم المغناطيسي لإعادة الإنسان لأقدم ذكرياته .
كان الهدف وقتها هو الوصول بذاكرة الإنسان إلى مرحلة النمو في الرحم ليصف مشاعره وأحاسيسه في تلك المرحلة . لكن النتائج جاءت مفاجئة ، حيث انتقل المتطوعون إلى ماقبل الرحم !!!! قبل ولادتهم بأيام ، وسنوات .... بل وقرون !

بعض الخاضعين للتنويم عادوا بذاكرتهم مائة عام إلى الوراء ، وتحدثوا عن أمور بتفاصيل شديدة الدقة ، اندهش العلماء عندما تأكدوا من صحتها بعد البحث ! وبعضهم عاد إلى ماض سحيق وتحدث بلسان امرأة ، وأخبرهم بأنه تم إعدامه ضمن محاكم التفتيش !!
ووجد العلماء أنفسهم أمام حالة لم تسجلها مراجعهم ، حالة وصفوها بأنها نوع من تناسخ الذكريات .... وفي مرحلة ثانية جاء من يربط هذا بتناسخ الأرواح ، وإن كانت الفكرة غير مقبولة دينياً وعقلياً !!!
وفي الوقت الذي بدأ بعض العلماء يبحث عن مرجعية دينية للأمر ، ظهرت على السطح فكرة الاتصال العقلي المخي المشترك ، حيث كشف العلماء أن عقول البشر جميعهم تشترك في شبكة معلومات واحدة ، وأن مايعرفه شخص ما ، قابل جداً للانتقال إلى الآخرين لو تم تحفيز الجزء المناسب من المخ ! ولو أضفنا نظرية الذاكرة الموروثة ، فسنجد أن محصلة أو مجموع أمخاخنا تحوي تجاربنا وتاريخنا منذ بدء الخليقة .... منذ آدم عليه السلام !

حين نخضع شخصاً للتنويم المغناطيسي ، فإننا نوقظ في أعماق مخه شبكة الاتصال بالآخرين ، ونستخرج كل ذكرياته الموروثة ، وتلك المكتسبة والتي نسيها بتقدم عمره وبإهمالها ، وإن كان قد سمعها عـَـرَضاً ، ولو بلغة أخرى !
بمعنى أدق ، بتنويمنا شخصاً ما مغناطيسياً ، فنحن نحول عقل المنوَّم إلى أرقى وأدق واصفى جهاز استقبال عقلي ، لا يستخرج المخزون في ذاكرته فحسب ، بل يستقبل ماتختزنه عقول من حوله في مدى معين !

وهنا واجه العلماء تساؤلاً خطيراً ....
إذا كان التنويم يجعل من أمخاخنا أجهزة استقبال فائقة التردد ، فماذا عن الإرسال ؟؟
وبدأت تجارب من نوع آخر ....

(يتبع)
______________________
(1) نابليون بونابرت: قائد عسكري فرنسي عاش قبل أكثر من مائتي سنة . لمزيد من المعلومات يرجى زيارة الرابط : http://ar.wikipedia.org/wiki/نابليون_بونابرت
(2) الترانزستور: أشباه موصلات أحدث اختراعها ثورة في عالم الحواسيب
(3) الهندوسية والكونفوشيوسية: عقائد شرقية
(4) لمزيد من المعلومات عن تناسخ الأرواح يرجى الرجوع لمقالة الذاكرة : تناسخ الأرواح (2)

الاثنين، 25 يناير 2010

الذاكرة : شبكة المعلومات العقلية (3)

عندما يقوم كل فرد وكل مجموعة رسمية وغير رسمية على هذا الكوكب بإضافة أفكاره ومعلوماته إلى شبكة الانترنت ، تصبح تلك المعلومات متاحة لجميع مستخدمي الشبكة ، مما يعني أن هذه المعلومات الفردية من العقول الفردية كونت فيما بينها شبكة هائلة لا حدود لها لأنها تتسع كل يوم .
وكذلك الاتصالات عبارة عن شبكة واسعة تربطها الأقمار الصناعية ، مما جعل اتصال شخص من ساحل العاج بصديقه في جزر الواق واق أمراً أسهل من شرب الماء .
وما أثبته العلم مؤخراً أن عقولنا - عقول البشر - تصنع فيما بينها شبكة عقلية معلوماتية بلا حدود .. فكل منا - مهما كانت قدراته - لديه القدرة على قراءة عقول الآخرين ، واكتساب الخبرات منهم ، والاستعانة بتجاربهم ، وتبادل التحذيرات والمعلومات معهم !

هناك العديد من السمات البشرية التي أخمدها التطور وقضت عليها حضارة البشر في العقول البشرية . فالإنسان القديم مثلاً كانت لديه القدرة على تحريك صماخ الأذن نحو مصادر الأصوات ، وكانت هذه قدرة معتادة حتى لم يعد الإنسان يحتاج إليها لعدم خروجه للصيد إلا للتسلية ، فضمرت تلك السمة إلا من عدد محدود من البشر .
وكل الناس - تقريباً - قديماً كانت لديهم غريزة التنبؤ بالخطر ، إلا أنها ضمرت كسابقتها مع تطور وسائل وأجهزة الأمن والحماية ، ولكنها تظهر في مواقف متفرقة ، كجزع الأم المفاجئ على ابنها الذي يبعد عنها آلاف الأميال عندما يصيبه مكروه ، وكحادثة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع سارية ، وهذا ينطبق أيضاً على شبكة المعلومات العقلية أو المخية .
فقديماً كان أفراد القبيلة الواحدة يشعرون ببعضهم بعضاً ، ويمكن لكل منهم قراءة أفكار ومعلومات ومخاطر الآخرين دون الحاجة إلى الحديث . ولازلنا نرى مثل هذه المشاهد في السينما الأمريكية ولا نستغربها !

إذاً المخ البشري يحوي وسيلة اتصال بأمخاخ الآخرين ، ولكن هذه السمة ضمرت مع التطور والحضارة . وبالمعنى العلمي : نحن نولد بهذه القدرات ، ولكننا نفقدها مع الزمن وفقاً لنظرية داروين التي تنص على أن : "العضو المستعمل ينمو ، والعضو المهمل يضمر" ويماثلها : "القدرة المستعملة تنمو ، وغير المستعملة تضمر" .
ويعني هذا أنه بعد عام أو اثنين من الولادة ، ومع عدم تنمية قدرة الاتصال العقلي ، يفقد الإنسان هذه السمة ، فلا يعود يتذكر بعدها طبخاً ولا قيادة سيارات ، ولا حتى يصبح قادراً على التواصل العقلي !!!
والحل الوحيد لهذه المعضلة هو تنمية هذه القدرات منذ الولادة .. وقد كان !
فقد لاحظ العلماء أن التوائم المتماثلة ، والأطفال الذين يولدون في مكان واحد ، يمكنهم التواصل دون أن يتخاطبوا ، بل حتى قبل أن يمتلكوا القدرة على الكلام ، ودون حتى أن تتطور لغتهم ! وبدأ العلماء تجاربهم من هذا المنطلق .

ترك العلماء مجموعة من الصغار يتواصلون ويتحدثون ويتشاركون معلوماتهم بعقولهم ، في بيئة مدروسة وراقية ، حتى بلغوا الثالثة من العمر .. وكانت النتائج مدهشة !!
الصغار طوروا فيما بينهم شبكة معلومات عقلية أصبحوا يتواصلون من خلالها دون الحاجة إلى التخاطب . ففي حجرة منفصلة وضع أحد العلماء طفلاً وأمامه عدة أشكال من بينها مكعب أحمر . وما أن لمس الطفل هذا المكعب حتى سرى في جسده تيار كهربي مدروس جعل الطفل ينفر منه ولا يلعب به .
وبعدها أحضروا طفلاً آخر ووضعوا أمامه نفس الأشكال ، فلعب بها كلها سوى المكعب الأحمر . على أنه لم يلتق الطفل الأول الذي تم وضعه في حجرة خاصة !! وتكرر الأمر مع الطفل الثاني والثالث والرابع .... وتكررت التجربة للمرة الثانية والخامسة والعاشرة ، وكانت النتيجة واحدة .. جميع الأطفال بعد الطفل الأول لم يلعبوا بالمكعب الأحمر ، وأبدوا تخوفهم منه عندما تم إجبارهم على اللعب به !!
وكانت النتيجة واضحة .
الطفل الأول نقل جميع خبراته ومعلوماته إلى عقول الأطفال الآخرين دون حتى أن يلتقي بهم ، عبر شبكة عقلية غير مرئية فائقة التردد !

وكان من الممكن أن تستمر مثل هذه التجارب ، لولا تدخل منظمات الطفولة ومنعها إجراء التجارب على الأطفال . ولكن العلماء كانوا قد وصلوا إلى مرحلة أثبتوا فيها وجود هذه الشبكة العقلية ، وبدأوا في دراستها وتطويرها بالفعل ، وكان لهذا الفضل - بعد الله سبحانه وتعالى - في تفسير كثير من الظواهر التي عجز العلم عن تفسيرها لسنوات ، وأهمها فكرة تناسخ الأرواح ، والتي توصل العلماء لحقائق عجيبة عنها ، قد لا تقرأها أو تسمع بها حتى في أعظم روايات الخيال العلمي تفاؤلاً وجنوناً .
(يتبع)

السبت، 23 يناير 2010

الذاكرة : تناسخ الأرواح (2)

تناسخ الأرواح فكرة تقول بأنه إذا ماتت الأجساد حلت الأرواح في أجساد أخرى ، بغض النظر عن إنسانية الأجساد أو حيوانيتها ، وقد تكون حشرة أو طيراً أيضاً ، وفقاً لرصيد أعمال المتوفى في حياته السابقة ، فقد يعود في صورة أسد أو ذبابة ليكفر عن أخطائه القديمة والدائمة !! فإذا تساوت الحسنات والسيئات عادت الروح في حياة أخرى - ثالثة - جديدة إنسانية قد تكون في جسد ذكر أو أنثى بغض النظر عن جنس المتوفى في الحياة الأولى أو الثانية .

هذه الفكرة وإن كانت تخالف معتقداتنا كمسلمين ، ولكنها أمر مسلم به عند البوذيين والهندوس ، بل إنها إحدى دعائم معتقداتهم ، ودون الخوض في مناقشات دينية ، يكفي القول بأنهم ما آمنوا بتلك الأفكار عبثاً ، بل لأنهم واجهوا مواقف وأحداث حقيقية - مثبتة علمياً وتاريخياً - صاحبها علم قليل وجهل كثير ، إلى جانب ميل فطري بشري لتصديق الخزعبلات والشعوذة ، فصدقوا تلك الأحداث وفسروها بما يناسب ثقافتهم وعلمهم . ومن تلك الأحداث ذكاء أحد الحيوانات الملحوظ عن كافة بني جنسه ، أو تعلق الحيوان بشخص أو بغضه لآخر دون مبرر ، بل أعطوا أمثلة على إعجاب الإنسان بإنسان آخر أو بغضه له دون مبرر أيضاً ، وتفسيراتهم لا تعنينا - كمسلمين - كثيراً ، كما أنها لا علاقة لها بالنظرة العلمية أيضاً .

النظرة العلمية تؤكد أن الذاكرة التي نحملها في أمخاخنا والتي نحيا بها ومعها لا تختص بنا وحدنا ، بل هي ذاكرة جماعية مشتركة ، توارثناها جيلاً بعد جيل !! وبالتالي فهي عبارة عن عصارة وملخص ذاكرات الأجداد من نسل واحد ، والتي نقلوها إلى الأجيال اللاحقة . وفي كل جيل يتم توريث الذاكرة المكتسبة إلى جانب الذاكرة الموروثة ، فيتم توريث ذاكرة أكبر مع كل جيل ، مما يجعل الأمر أشبه بتوريث مكتبة كاملة من الموسوعات ، مما يعني أن يكون الجيل الجديد أذكى وأمهر وأكثر براعة وحنكة (1) .

وقد أثبت العلم نظرية توارث الذاكرة ، ووضع أسسها وقواعدها منذ بضعة أعوام . ولأن العلم لا نهاية له ، ولأن نهم العلماء لا ينتهي ، فقد استمرت دراسة العلماء للذاكرة وخفاياها وأسرارها وقوتها . وبمصادفة بحتة أثناء الدراسات ، توصل فريق من العلماء لحقيقة مدهشة تـُـعرف بـالذاكرة البشرية التراكمية المشتركة .
وحتى نفهم هذا المصطلح ، لابد و أن نلقي الضوء سريعاً على كيفية عمل شبكات المعلومات والانترنت ، وهي طريقة بسيطة في مفهومها ولكنها معقدة للغاية في تنفيذها .

(يتبع)
______________
(1) نستطيع أن نرى الفرق بين طفل اليوم وبين جيل الأطفال منذ 25 عاماً أو تزيد ، والفرق واضح بين الطفل الذكي اليوم والطفل الساذج سابقاً .

الجمعة، 22 يناير 2010

الذاكرة : تجربة (1)

من عجيب صنع الخالق - عز و جل - هذا المخلوق العجيب المسمى "الذاكرة" . ففعلياً لا يوجد داخل مخ الإنسان مايسمى بمركز الذاكرة ، بل هو تعاون بين أجزاء المخ في آن .. فهناك ذاكرة بصرية ، ومثلها سمعية ، وشمية وغيرها .
فعندما ترى شخصاً تعرفه ، تخبرك الذاكرة البصرية أن هذه هيئته ، والذاكرة الشمية تؤكد أن هذه رائحته ، وهكذا .. وأمام عمل الذاكرة المعقد والمنظم والمدهش ، اكتشف العلماء حقيقة أخرى عن الذاكرة أصابتهم بالذهول ، وقد يكون أهم وأقوى البحوث العلمية في هذا المجال ، بل في كل المجالات على الإطلاق !!!

بدأ الموضوع بتجربة بسيطة عن زوج فئران أطلقها أحد العلماء في متاهة معقدة ، ليرى قدرتها على التعلم والتذكر . وبعد عدة محاولات حفظت الفئران المتاهة ، وأصبحت تقطع الطريق حتى النهاية دون أن تتوقف أو تتردد لحظة واحدة !!
ولأن ذاك العالم يحتاج إلى فئران أكثر في تجاربه ، فقد ترك هذه الفئران تتزاوج لينتج جيلاً جديداً من الفئران الصغيرة .
وذات يوم خطر ببال العالم أن يختبر قدرة الفئران الوليدة على التذكر والتعلم ، فأطلق بعضها داخل نفس المتاهة ، وكانت المفاجأة !!!! الفئران التي لم تختبر هذه المتاهة قط ولم ترها في حياتها ، عبرت المتاهة حتى خط النهاية دون خطأ واحد وكأنها تعرف مسارها مسبقاً ، أو كأنها ورثت ذاكرة أبويها على نحو أو آخر !!
وانبهر العالم وكرر المحاولة مع فئران وليدة أخرى للزوج نفسه ، فعبرت المتاهة من أول مرة بكل يسر وسهولة .. وهنا كرر العالم المحاولة مع فئران تم توليدها من زوج آخر ، فبدت حائرة تائهة لا تعرف طريقها ، ولم تصل خط النهاية سوى بعد ستة محاولات على الأقل !!! ومع تكرار المحاولات بين فئران زوج المتاهة وفئران أزواج أخرى لم تختبر المتاهة كانت النتائج مبهرة ، وكلها تؤكد أن ذاكرة الأبوين انتقلت لصغارهم ، بحيث يتذكرون كل ماتعلمه الأولون ولو على الأقل لفترة من الزمن .

ففي إحدى تجاربه ، اختار العالم فأرين وليدين من جيل حوى ستة فئران وأطلقهما في المتاهة ، فبلغا خط النهاية دون تردد ، واحتفظ بالفئران الأربعة الأخرى لشهر كامل دون أن يجعلها تختبر المتاهة ، ثم جعلها تختبر المتاهة في الشهر الثاني ، فبلغ واحد منها فقط خط النهاية بعد محاولة واحدة ، بينما احتاج الثلاثة الآخرون إلى ثلاث محاولات حتى تبلغها !!
وفي الجيل الثالث لم يجعل نصف الفئران تختبر المتاهة سوى بعد مرور شهرين كاملين ، فلم يبلغوا جميعهم خط النهاية سوى بعد أربع محاولات !!

كل هذا جعل العالم يستنتج أن الجيل الجديد من الفئران يولد وهو يحمل ذاكرة الأبوين ، ثم لا تلبث هذه الذاكرة الموروثة أن تختبئ في ركن مظلم من المخ لتفسح الطريق أمام الذاكرة المكتسبة كلما مر الوقت وزادت الخبرات . والوسيلة الوحيدة للحفاظ على هذه الذاكرة الموروثة هي تنميتها منذ الأيام والأسابيع الأولى للولادة !
وبعد تكرار التجربة والتيقن من نتائجها ، طرح العالم سؤالاً مهماً :
ترى هل تنطبق هذه النتائج على البشر أيضاً ؟؟؟؟
وهنا كانت التجربة مختلفة .....

(يتبع)

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

الأعذار والاعتذار

"لا تتأسف"
"أنا أصلاً ما أزعل منك"
"أنا مو قصدي أخليك تعتذر"
"مافي داعي للاعتذار"

أمثال هذه العبارات نقولها أو نسمعها عندما تكون هناك مشاحنات في العلاقات المقربة . ولا أدري حقيقة هل هذه العبارات صادرة من قلب وبمعناها الذي تقوله حروفها ، أم أنها عبارات من باب المبالغة فقط لا غير !
هل أثناء ارتفاع أصواتنا مع مقربينا لا نهدف فعلاً إلى تبرئة أنفسنا ، وإلقاء اللائمة عليهم ؟؟
وهل لا نغضب فعلاً إذا ما أساء الآخر إلينا ؟؟
أو حتى لو لم يسئ إلينا وأسأنا نحن الفهم ؟؟
هل نحن حقيقة لسنا بحاجة إلى الاعتذار ؟؟

أغلب الظن أننا نبالغ ولا نعبر فعلاً عما نشعر به ! فمن منا ليس بحاجة للاعتذار ؟؟ ومن منا لم يسأل نفسه إذا لم يعتذر الآخر "ليش ما يعتذر ؟" أو "يعني أنا مالي قدر عنده عشان يعتذر ؟" أو "كيف يكلمني وكأن ما صار شي وبدون مايعتذر ؟"

الاعتذار يصفي النفوس ويذهب غيظ القلوب ويثبت للآخر مقدار محبتك واحترامك له . وقد يغني قليل من التوضيح بعد هدوء العاصفة عن اعتذار ثقيل متأخر .
والمعتذر شخص شجاع ، يكسب بشجاعته قلوب أعداءه قبل قلوب أصدقاءه . وليس أبخل ولا أجفى ممن يبخل بمشاعره ويجفى مقربيه عن اعتذار أو توضيح لما صدر منه . فتجده لنفسه بارعاً في اختلاق الأعذار ، بخيلاً في الاعتذار !

إذا أخطأت فاعترف بخطأك ، دون أن تبرر نفسك للآخر أثناء الاعتراف والاعتذار . فليس أسوأ من أن تشرك الآخر في خطأك وتشعره أنه لولا أنه قال كذا أو فعل كذا لما بدر منك ماكان ! اعترف بتقصيرك وخطأك وأنت تعنيه وأنت تنظر في العينين مباشرة ، حتى يشعر الآخر بصدق مشاعرك .

وإذا أساء أحدهم إليك فالتمس له العذر على قدر طاقتك ، وعلى قدر معرفتك به . فإن وجدت الحق معك فعبر للآخر عما يدور في خلدك وعن مشاعرك السالبة ، ولا تنكر استيائك إذا ما حاول سؤالك عما بك ، فإنه لم يسألك إلا لاهتمام بك .
ولكن ليحذر المعتذر من محاصرة الآخر بالسؤال ، فبعضهم يهدأ من تلقاء نفسه ، ويحتاج مساحة ووقتاً لهذا الهدوء . وبعضهم يخجل من التصريح باستيائه لتفاهة السبب ، أو لكثرة تكراره ، أو أنه لا يريد أن يشعر الآخر بأنه يغضب من أتفه الأسباب ، أو لأي سبب آخر .

إذا وجدت نفسك قادراً على الاعتذار والاعتراف ، فاعرف أنك شجاع . وإن وجدت نفسك تختلق الأعذار ، ويحول كبرياؤك دونك والاعتراف والاعتذار ، فاعرف أن بك نزعة من غرور ، أو أن الآخر لا يعني لك الكثير !!

همسة للقلوب الرقيقة: أرقى أنواع الاعتذار ، هو ما كان لخالقك ، على ما بدر منك من تقصير أو سوء أدب أو استغلال لإمهاله لك بتجرؤك على محارمه .
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

حتى التميس !!!

ننظر للواسطة على أنها شيء سيء أعاق تقدم البلد ، وعطل الكثير من مصالحنا ، ونطالب دوماً بتدخل حكومي أو ملكي لمنع الواسطة أو على الأقل تخفيف انتشارها السرطاني في كل أنواع المعاملات !!
ولكن الحقيقة أن الواسطة مبدأ إسلامي إيجابي ، يحث على التكافل والرحمة وتذكر المطحونين من الناس الذين لا يعرفون الواسطة ولا يسألون الناس إلحافاً ، وبالتالي تؤثر على العلاقات الإنسانية إيجابياً . بل إننا لن نبدأ الحساب يوم القيامة إلا بعد أن نتوسط عند الأنبياء ليدعوا الله أن يحاسبنا ويريحنا من الوقوف الطويل !!

نحن الذين أسأنا استخدام الواسطة حتى حولناها لشكلها البشع الآن . ففي الوقت الذي نطالب فيه بالقضاء عليها ، تجدنا عند قضاء أي مصلحة نتواصل مع معارفنا لنحصل على واسطة تسهل الأمور وتسرعها وتقلل تكلفتها وعناءها !! بل ولا نتورع عن الاتصال بأناس لم نتواصل معهم من سنين عجاف لمجرد تذكرنا أنهم قد ينفعوننا الآن .. وهذا من أسوأ ما أنتجته الواسطة من العلاقات الإنسانية المصلحجية !! فهو يعني أن العلاقات الاجتماعية ليس لها دور سوى الواسطة و "معرفة الناس كنوز" (مادية مو معنوية أو معرفية) ، ويعني أيضاً ان الواسطة حلال علينا وحرام على غيرنا !!!

رسول الله موسى - عليه السلام - توسط لأخيه هارون - عليه السلام - ليصبح رسولاً .. قال الله تعالى : (هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) قال المفسرون : أي أشركه في أمر النبوة والرسالة .. فأي واسطة أعظم من هذه الواسطة !!!!
ولكن ما حدى بنا إلى هذه المأساة في الواسطة هو أننا ندخلها في كل أمور حياتنا ، ونجعلها شماعة نلقي عليها جميع عقباتنا وفشلنا وعدم وصولنا إن لم نملكها ، ونجعلها أداة النصر إن ملكناها ، ونسينا أننا لو توكلنا على الله حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير ..

لا أطالب بإلغاء الواسطة ، ولكن أطالب بتقنينها ، وأطالب كل ذي منصب بأن يتقي الله قدر ما يستطيع فيما تحت يديه من صلاحيات ، وأطالبه بأن يقبل الواسطة فيما يستحق أن يقبله ، ويرفضها فيما لا يستحق .. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة . ومن ستر مسلماً ، ستره الله في الدنيا والآخرة . والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) مقدمة الصحيح/2699 .

ومن يقول بأن الدول المتقدمة لا واسطة فيها كاذب أو جاهل . فهي موجودة في كل بلد وفي كل عصر ، ولكنهم أحسنوا استخدامها وأسأنا استخدامها .. فهم و إن أساءوا استخدامها فعلى نطاق ضيق لا يضر بمصلحة بلادهم ، بعكسنا ، وقد تشربنا أصول الواسطة منذ صغرنا ، فأصبحنا نبحث عنها قبل حتى أن ندعو الله أن ييسر لنا !! ونبحث عن الواسطة في كل شيء حتى في صف التميس !!!

ابحث عن واسطة إن كنت تعرف ، وتوسط لغيرك إن كنت تقدر ، ولكن لا تبطل حقاً أو تحق باطلاً بواسطتك فتؤذي الناس .. قال الله تعالى : (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) .. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه السائل ، وربما قال : جاءه السائل أو صاحب الحاجة ، قال : ( اشفعوا فلتؤجروا ، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء) الجامع الصحيح/7476 .

أما نصيحتي لمن لا يستطيع الوقوف في وجه الواسطة لضعف منصبه ، أو لطيب قلبه ، أو لأنه لا يرد أحداً ، أو لأنه يملك قبيلة كبيرة أو لأي سبب آخر ، هي : ليس شرطاً ان ترد كل الواسطات ، ولكن بالتأكيد ليس كل الواسطات تستحق القبول !! وكلنا يستطيع التمييز ويستطيع أن يمسك العصا من منتصفها ..

الأحد، 27 سبتمبر 2009

السعادة .. وجهة نظر

يحزنني كثيراً ، بل ويصل بي - مرات - حد الإحباط أن أسمع ممن حولي عبارات الحزن والأسى وأن قدرهم ونصيبهم و" حظهم" نحس !! فتجدهم لا يتركون مجلساً ولا نادياً ولا اجتماعاً إلا وزفراتهم وتنهيداتهم ترفع من حرارة الجو ، وقصصهم البائسة بظلم الحياة والناس لهم تملأ فضاءات المجالس !! وهؤلاء تجدهم لا يستطيعون أن يتمتعوا بشيء من مباهج الحياة . وتتركهم سنين وأجيال وقرون فتعود لتجدهم كما كانوا يندبون حظهم العاثر !!

السعادة ليست شيئاً نبحث عنه ونجده فيهبنا الفرح مدى الحياة ، بل الفرح رحلة .. رحلة طويلة يغدو المرء سعيداً بارتحالها وقضاء عمره بسنينه وشهوره وأيامه وساعاته ودقائقه وثوانيه فيها ..
ضاقت الدنيا بالناس ، وضاق الناس بالدنيا فلم يعد لهم صبر على العيش فيها ، وأصبح الكل ينتظر الفرج والسعادة !!! ولن يأتي لا فرجٌ ولا سعادة ، لأنهما لا يأتيان أصلاً ، بل يعيشان بداخل الإنسان .. برضاه بما قسم الله له في الدنيا ، وبصبره على ما ابتلاه الله به ..
وبعضهم إن سألته مايسعدك ، أجابك بلا أدري !! وكثيرون يعتقدون أن السعادة في منصب أو حبيبة أو مال أو سيارة .. وهي في جوهرها ليست كذلك ..
بل قد تكون باستمتاع المرء بأكلة يأكلها ..
بطفلٍ يداعبه في الطريق ..
بيتيمٍ يمسح رأسه ..
بمشهد نظرات هرٍّ يترصد لعصفور صغير لينقض عليه ..
بسماعه لألحان حفيف أوراق أشجار الخريف ..
بتخيل أشكال ترسمها السحب ..
بهوايةٍ يمارسها أو يتعلم غيرها كل مدة ..
بتجربة شيء جديد ..
بتطبيقه لحديثٍ أو آية يكررها لسانه ولاتطبقها جوارحه !!
أو حتى استمتاعه باختلائه بنفسه أو بصمته !!

السعادة أن تحوّل كل مابين يديك إلى وسيلة تؤدي لسعادتك ومن حولك ..
السعادة أن تنظر إلى كل مايصيبك بمنظار غير اللون الأسود لترى حكمة الله فيما أصابك .. ولتستمتع بوقوفك على قدميك من جديد نافضاً غبار الحزن وغبار المصيبة ..
السعادة أن تهب السعادة لمن حولك ..
السعادة أن تقتنع بأن السعادة شيء لا تجده ، بل شيء تعيشه ..

اعتراف :
الحقيقة أنني في فترة من فترات حياتي كنت أتعاطف كثيراً وأستمع كثيراً لهذه الفئة من الناس ، وأحاول أن أخفف عنهم وأحتويهم .. أما الآن قلّ ذلك كثيراً ، وصرت أفرّ منهم فراري من الأسد ، لأن بعضهم يحلو له العويل وندب الحظ ويستمتع بالتفاف الناس حوله ومراضاتهم له وتخفيفهم عن همومه الزائفة ؛ خاصة الذين يظنون أنفسهم محور الكون ، فيظنون الكل يتقصدهم بنظراتهم وتلميحاتهم وتصريحاتهم ، بل ويظنون الكون بأسره بدوله وحكوماته وأفراده متآمرون على نحسهم !! فيتقوقعون حول أنفسهم باكين متباكين !! فلا وقت عندي لهؤلاء ..

الإنسان بحاجة لمن يبهجه وينسيه همه ويوسع مداركه ونظرته للدنيا ومباهجها ، وليس بحاجة لمن يزيده هماً ويمطره كآبة طوال الوقت ..
وقد أستمع لشكوى أحدهم ، ولكن لن أقبل بأن أكون "معددة" (على قولة شعب عربي مجاور) أوافق المهموم وأجاريه في كل كلمة .. ولذلك لم أعد أميل كثيراً لمجالس العويل وندب الحظوظ وأصبحت تصيبني بالغم !! والحياة أقصر من أن نقضيها في حزن وكآبة وشكاوى وولولة !!

بالطبع لن ينقضي عمر الإنسان في سعادة دائمة مهما كان متفائلاً وإيجابياً .. ولابد من لحظات حزن على شيء كان .. ولا بد من لحظات همٍّ على شيء قد يكون .. ولابد من لحظات غمٍّ على شيء كائن .. ولكن يجب ألا يكون هذا هو ديدن الإنسان وشخصيته العامة ..

ختاماً .. ادعُ بدعاء رسول الله ، واتخذ بالأسباب (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال ) الجامع الصحيح/6369 .